بينما يغرق المواطن المغربي في تفاصيل الغلاء اليومي وتآكل القدرة الشرائية، تختار الحكومة أن تطل بمشروع قانون المالية 2027-2029 كتمرين في إعادة تشكيل القراءة العامة للأرقام، مغلف بوعود “النجاعة” التي لم تنجح بعد في تجاوز حدود التصورات النظرية.
إن دعوة القطاعات الوزارية إلى ربط الإنفاق بمؤشرات الأداء تبدو في ظاهرها خطوة نحو تحديث التدبير العمومي، لكنها في العمق تعيد طرح سؤال مركزي: إذا كان المغرب يخصص سنوياً ما يقارب 30% من ناتجه الداخلي للاستثمار العمومي، وهي من أعلى النسب عالمياً، فلماذا تستمر معدلات البطالة في الارتفاع، خاصة في صفوف الشباب؟ وأين تتجه آثار هذه الاستثمارات إذا لم تنعكس بشكل ملموس على تحسين شروط العيش؟
المفارقة تبرز في التوازي بين خطاب بناء “الدولة الاجتماعية” وبين الإصرار على ضبط التوازنات المالية، بما يفرضه ذلك من تحكم في النفقات، وعلى رأسها كتلة الأجور وتكاليف التسيير.
هذا التوازن الصعب يطرح إشكالاً بنيوياً: كيف يمكن الرفع من جودة خدمات الصحة والتعليم في ظل موارد بشرية محدودة وضغوط مستمرة على الميزانية؟ إن النمو المتوقع في حدود 4.2% خلال السنوات المقبلة يبدو، في هذا السياق، مؤشراً إيجابياً من زاوية محاسباتية، لكنه يظل محل تساؤل من حيث قدرته على إحداث أثر اجتماعي واسع، خاصة في ظل تداعيات الجفاف وفقدان فرص الشغل في العالم القروي.
في مقابل ذلك، تراهن الحكومة على تعزيز دور القطاع الخاص ليكون قاطرة الاستثمار والتشغيل، في إطار ميثاق استثمار جديد وآليات دعم متعددة.
غير أن هذا التوجه يثير بدوره أسئلة حول طبيعة الحوافز الممنوحة، ومدى ارتباطها الفعلي بإحداث مناصب شغل مستدامة، بدل أن تتحول إلى امتيازات تركز القيمة في يد فاعلين محددين.
فالتجارب السابقة أظهرت أن غياب شروط واضحة للنجاعة قد يحد من الأثر الاجتماعي للاستثمار، مهما كان حجمه.
كما أن إدماج بعدي المناخ والمساواة بين الجنسين في إعداد الميزانية يمثل تطوراً مهماً على مستوى المقاربة، لكنه يظل رهيناً بمدى تحوله إلى آليات عملية تؤثر في توزيع الموارد.
فالتحديات المرتبطة بالإجهاد المائي وتراجع مؤشرات نشاط النساء تفرض الانتقال من مستوى التصنيف والوسم إلى مستوى السياسات العمومية القادرة على إحداث تغيير فعلي.
في هذا السياق، لا يمكن فصل التوجهات المالية الوطنية عن الضغوط المرتبطة بالمحيط الدولي، سواء من حيث كلفة التمويل أو متطلبات الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية.
وهو ما يجعل من مشروع قانون المالية ليس فقط أداة لتوزيع الموارد، بل أيضاً مرآة لاختيارات استراتيجية تحاول التوفيق بين إكراهات الاستقرار المالي وانتظارات المجتمع.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في صياغة مؤشرات دقيقة أو تحقيق توازنات محاسباتية، بل في القدرة على تحويل الاستثمار العمومي إلى رافعة فعلية للتشغيل وتقليص الفوارق.
فبين منطق الأرقام ومنطق الأثر، يتحدد مستقبل “الدولة الاجتماعية”: إما كخيار سياساتي يعيد توزيع الثروة بشكل منصف، أو كعنوان كبير يظل رهين حدود التدبير المالي التقليدي.
