بقلم: الباز عبدالإله
أعادت وثيقة صادرة عن لجنة الاعتمادات بمجلس النواب الأمريكي ملف سبتة ومليلية إلى واجهة النقاش، بعدما ورد ذكر المدينتين، الخاضعتين للإدارة الإسبانية، ضمن فقرة خاصة بالمغرب في التقرير المرافق لمشروع قانون اعتمادات الأمن القومي ووزارة الخارجية والبرامج المرتبطة بها لسنة 2027.
الوثيقة لفتت الانتباه بسبب الصياغة التي اعتمدتها، إذ ربطت المدينتين بالسياق المغربي، وأشارت إلى المطالبة المغربية الطويلة الأمد بهما، مع الدعوة إلى تشجيع انخراط دبلوماسي بين الرباط ومدريد بشأن وضعهما المستقبلي.
وحسب التقرير الرسمي للجنة الاعتمادات بمجلس النواب الأمريكي، فقد خصصت اللجنة فقرة للمغرب أكدت فيها استمرار الدعم الأمريكي للرباط بما يخدم مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة، مع التنصيص على مبالغ مخصصة لبرامج الاستثمار في الأمن القومي والتمويل العسكري الخارجي.
غير أن الجانب المالي لم يكن وحده ما أثار الانتباه في هذه الفقرة.
فقد توقفت اللجنة عند “التحالف التاريخي” بين المغرب والولايات المتحدة، كما جرى ترسيمه في معاهدة السلام والصداقة لسنة 1786، قبل أن تنتقل إلى الإشارة المتعلقة بسبتة ومليلية.
وتبرز أهمية هذه الإشارة في أنها لم ترد في مادة إعلامية أو تحليل رأي، بل داخل تقرير صادر عن لجنة برلمانية أمريكية، يرافق مشروع قانون للاعتمادات، ويعكس توجهاً سياسياً داخل جزء من المؤسسة التشريعية الأمريكية.
لكن قراءة هذه الوثيقة تحتاج إلى قدر كبير من الدقة.
فهي لا تعني أن الولايات المتحدة أعلنت اعترافاً رسمياً بسيادة المغرب على سبتة ومليلية، ولا تعني أن البيت الأبيض أو وزارة الخارجية الأمريكية غيّرا موقفاً دبلوماسياً معلناً من وضع المدينتين.
الأمر يتعلق بتقرير صادر عن لجنة داخل مجلس النواب، يرافق مشروع قانون مالي، ويحمل إشارة سياسية مهمة، دون أن يتحول وحده إلى قرار رسمي ملزم.
هذا التمييز ضروري حتى لا يتحول النقاش إلى تأويل متسرع.
فقيمة الوثيقة لا تكمن في أثر قانوني مباشر، بل في كونها تُدخل ملفاً ظل لسنوات طويلة محصوراً بين الرباط ومدريد، إلى لغة مؤسسة تشريعية أمريكية لها وزنها في نقاشات السياسة الخارجية والتمويلات المرتبطة بها.
بالنسبة للمغرب، تحمل هذه الإشارة مكسباً رمزياً وسياسياً، لأنها تضع سبتة ومليلية داخل سياق الشراكة التاريخية والاستراتيجية بين الرباط وواشنطن، وتمنح الموقف المغربي حضوراً في وثيقة أمريكية ذات طابع برلماني.
أما بالنسبة لإسبانيا، فالعبارة تظل حساسة، لأنها تلامس ملفاً تعتبره مدريد جزءاً من سيادتها الوطنية، رغم استمرار المطالبة المغربية به تاريخياً وسياسياً.
الأهم في هذه الوثيقة أنها لا تحسم الملف، لكنها تخرجه من دائرة الصمت.
فحين ترد سبتة ومليلية ضمن فقرة المغرب في تقرير لجنة أمريكية، وحين يجري الحديث عن تشجيع حوار دبلوماسي بين المغرب وإسبانيا حول وضعهما المستقبلي، فإن القضية تدخل إلى مجال تداول سياسي جديد، ولو بصيغة حذرة.
وتأتي هذه الإشارة في سياق دولي يعرف إعادة ترتيب عدد من ملفات السيادة والنفوذ والشراكات الاستراتيجية.
لذلك، لا تبدو العبارة مجرد تفصيل عابر داخل تقرير مالي، بقدر ما تكشف أن الملف بدأ يجد طريقه إلى نقاشات أوسع، حتى وإن ظل ذلك محكوماً بحدود الوثيقة وطبيعتها البرلمانية.
الوثيقة الأمريكية لا تعلن تحولاً نهائياً في الموقف الرسمي لواشنطن، لكنها تضع سبتة ومليلية داخل نص تشريعي حساس، وتمنح الموقف المغربي دعماً رمزياً داخل مؤسسة أمريكية وازنة.
وبين القراءة القانونية الهادئة والحساسية السياسية في مدريد، يبدو أن ما ظل مؤجلاً في الذاكرة قد يعود، بهدوء، إلى طاولة الدبلوماسية.
