بقلم: الباز عبدالإله
كشفت مصادر إعلامية أن رئيس الحكومة عزيز أخنوش عقد، صباح اليوم الخميس، لقاءً تواصلياً بمقر رئاسة الحكومة بالرباط مع مدراء نشر عدد من الجرائد الوطنية، خصص لتقديم وشرح خلاصات الحصيلة الحكومية التي سبق أن عرضها أمام البرلمان، في لقاء أراد من خلاله رئيس الحكومة تأكيد أن عرض الحصيلة جاء في “وقته المناسب”، وعلى مسافة زمنية كافية تسمح بفتح نقاش عمومي حول ما تحقق خلال الولاية الحالية.
اختار أخنوش أن يقدم حصيلته من زاوية الانسجام الحكومي وتدبير الأزمات، مميزاً تجربته عن ولايات سابقة قال إن إحداها تأخرت في عرض حصيلتها، بينما حالت تفككات الأغلبية في أخرى دون تقديمها بالشكل المطلوب. غير أن هذا الخطاب المؤسساتي، وهو يحاول تثبيت صورة حكومة منسجمة وقادرة على الدفاع عن سجلها، يفتح في المقابل سؤالاً أكثر قرباً من الشارع: هل تكفي قوة الانسجام لإقناع المواطن إذا لم يلمس أثرها في معيشه اليومي؟
رئيس الحكومة استحضر الظرفية الصعبة التي رافقت بداية ولايته، من تداعيات جائحة كوفيد-19، إلى الحرب الأوكرانية، وزلزال الحوز، وتوترات الشرق الأوسط، وما نتج عنها من اضطرابات في سلاسل الإنتاج وارتفاع في كلفة النقل والمواد الأساسية.
وهي عوامل لا يمكن التقليل من أثرها، غير أن النقاش لا يقف عند حجم الأزمات، بل يمتد إلى طبيعة الجواب الحكومي عنها: هل كان الصمود الميزانياتي درعاً حمى المواطن، أم أن المواطن هو من تحمل جزءاً كبيراً من كلفة الحفاظ على التوازنات؟
وتحدث أخنوش عن تدخلات حكومية لدعم قطاعات حيوية، في مقدمتها السياحة والفندقة والنقل الجوي، إلى جانب إجراءات لتنشيط الدورة الاقتصادية وتهيئة شروط عودة الاستثمار.
وهي اختيارات يمكن فهمها من زاوية حماية المحرك الاقتصادي ومنع توقفه، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤال الأثر الاجتماعي: إلى أي حد وصلت ثمار هذا الدعم إلى الأسر، والمستهلكين، والطبقات الوسطى والهشة، بدل أن تبقى محصورة في لغة المؤشرات والقطاعات الكبرى؟
وفي الشق الاجتماعي، قدم رئيس الحكومة مأسسة الحوار الاجتماعي والزيادات في الأجور باعتبارها مكاسب مهمة لفائدة الشغيلة، خاصة عبر الرفع من الحد الأدنى للأجور في القطاعين الصناعي والفلاحي، والزيادات التي مست فئات مهنية كالأطر التربوية وقطاع الصحة.
غير أن وضع هذه المكاسب في ميزان الواقع اليومي يكشف أن السؤال لم يعد فقط حول حجم الزيادة، بل حول قدرتها الفعلية على تعويض ما التهمه الغلاء من دخل الأسر خلال السنوات الأخيرة.
أما في قطاعي الصحة والتعليم، فقد تحدث أخنوش عن خريطة طريق لإصلاحات مهيكلة، من بينها مشاريع صحية جديدة وبرنامج “مدارس الريادة”.
غير أن الرهان في هذين القطاعين لا يقاس فقط بعدد البنايات أو إطلاق البرامج، بل بجودة الخدمة، وعدالة الولوج، وتقليص الفوارق المجالية، وقدرة المواطن على أن يجد مدرسة عمومية منتجة للثقة، ومستشفى عمومياً لا يحوله الانتظار إلى معاناة إضافية.
لذلك تبدو الحصيلة الحكومية، كما قدمها أخنوش، واقفة بين خطابين: خطاب رسمي يؤكد الصمود، الانسجام، الاستثمار، وتوازنات الميزانية؛ وخطاب اجتماعي صامت لكنه حاضر في الأسواق، وبيوت الأسر، وطوابير العلاج، ومصاريف التمدرس. وبين الخطابين توجد المسافة الحقيقية التي ستحدد كيف سيتلقى المواطن هذه الحصيلة.
قد تكون الحكومة نجحت في الحفاظ على توازنات كبرى وسط أزمات متلاحقة، وقد تكون أطلقت مشاريع لا يمكن إنكار أهميتها، لكن امتحان النصف الثاني من الولاية لن يكون في قدرة الحكومة على سرد ما أنجزته، بل في قدرتها على تحويل هذا المنجز إلى أثر ملموس.
فالمواطن لا يحاسب الحصيلة فقط بمنطق الجداول والمؤشرات، بل بمنطق أبسط وأقسى: ماذا تغير في القدرة الشرائية؟ ماذا تحسن في المدرسة؟ ماذا تبدل في المستشفى؟ وهل وصل قطار التنمية فعلاً إلى موائد المغاربة، أم بقي يدور في محطة الأرقام؟
