بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد بلاغ المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، الصادر في 24 مارس 2026، مجرد قراءة في “أجندة” أسبوعية، بل تحول إلى موقف سياسي واضح يضع الحكومة أمام مرآة واقع اقتصادي صعب: كيف يمكن تفسير ضخ ملايير من المال العام تحت عنوان “دعم النقل”، في وقت تظل فيه جيوب المواطنين تحت ضغط مستمر، وتواصل أسعار المواد الأساسية ارتفاعها؟ الحزب، بنبرة لافتة، أعاد طرح سؤال مركزي: هل تصل أموال المغاربة فعلاً إلى مستحقيها، أم أن طرق توزيعها تطرح بدورها إشكالات على مستوى النجاعة والإنصاف؟
لقد توقف البلاغ عند محدودية أثر ما يُقدَّم باعتباره “دعماً موجهاً”، معتبراً إياه تدبيراً معزولاً لم ينعكس بشكل ملموس على أرض الواقع.
فبينما تُقدَّم هذه الإجراءات في سياق حماية القدرة الشرائية، تشير معطيات السوق إلى استمرار الضغط على كلفة المعيشة، سواء على مستوى أسعار المواد الغذائية أو خدمات النقل.
هنا، لا يكتفي الحزب بتسجيل ملاحظة تقنية، بل يثير تساؤلاً أعمق حول مدى انسجام السياسات العمومية مع مبدأ العدالة الاجتماعية، خاصة حين لا تُترجم الكلفة المالية الكبيرة إلى أثر محسوس لدى المواطن.
وفي امتداد لهذا الطرح، انتقد الحزب ما اعتبره غياب تدخل أكثر صرامة لضبط السوق، في ظل تنامي أدوار الوسطاء والمضاربين، داعياً إلى اعتماد إجراءات أكثر وضوحاً، من قبيل تسقيف أسعار المحروقات، ومراجعة البنية الجبائية المرتبطة بها، إلى جانب إعادة طرح ملف مصفاة “لاسامير” كخيار مرتبط بالأمن الطاقي.
وهي مقترحات تعكس توجهاً نحو دور أكثر فاعلية للدولة في تنظيم السوق، بدل الاكتفاء بالمواكبة الظرفية التي تبدو محدودة الأثر في سياق ارتفاع متواصل للأسعار.
ولا يمكن فصل هذا الخطاب عن السياق السياسي العام، حيث يأتي في مرحلة تقترب فيها البلاد تدريجياً من الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وهو ما يمنح النقاش حول القدرة الشرائية بُعداً يتجاوز الاقتصاد إلى الرهان السياسي.
فملف الغلاء لم يعد مجرد مؤشر على اختلال السوق، بل تحول إلى ورقة مركزية في إعادة تشكيل التوازنات والخطابات، سواء داخل الأغلبية أو في صفوف المعارضة.
وفي هذا الإطار، يبدو أن حزب التقدم والاشتراكية يسعى إلى التموضع كصوت اجتماعي واضح، يعيد طرح سؤال العدالة في توزيع كلفة الأزمات، في مقابل خطاب حكومي لا يزال يراهن على منطق التدرج والاحتواء.
على المستوى التنظيمي، يعكس تحرك الحزب واستنفار قواعده عبر المؤتمرات الإقليمية المقبلة توجهاً نحو تعزيز حضوره الميداني، استعداداً للاستحقاقات القادمة. وهي دينامية توحي بأن النقاش حول السياسات الاجتماعية لم يعد محصوراً في دائرة التقييم، بل أصبح جزءاً من معركة سياسية مفتوحة حول البدائل الممكنة، خاصة في ظل تنامي الحساسية الاجتماعية تجاه قضايا الأسعار والقدرة الشرائية.
كما توحي بأن الحزب يدرك أن “معركة صناديق الاقتراع” تمر حتماً عبر “قفة المواطن”، وأن الخطاب السياسي الذي لا يلامس اليومي المعيشي سيبقى حبيس الصالونات المغلقة.
هل تتجه السياسات العمومية نحو إعادة توجيه الدعم بشكل أكثر استهدافاً وفعالية، أم أن الوضع الحالي سيستمر في تغذية هذا النقاش المتصاعد حول جدوى الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية؟
