بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد قرار رفع سقف مصاريف الحملات الانتخابية مجرد إجراء تقني يندرج ضمن تحيين النصوص التنظيمية، بل أضحى مؤشراً على مرحلة سياسية تستعد فيها الدولة لإعادة ضبط إيقاع التنافس السياسي قبل استحقاقات 2026.
فمصادقة مجلس الحكومة على مرسوم يحدد سقف النفقات في حدود 600 ألف درهم لكل مترشح تضع مسألة “كلفة السياسة” في صلب النقاش العمومي، ليس فقط من زاوية الأرقام، بل أيضاً من حيث تأثيرها على مبدأ تكافؤ الفرص.
فهذا الرفع، الذي يقارب 60 مليون سنتيم، يُقدَّم باعتباره ملاءمة مع الكلفة الواقعية للحملات، غير أنه يثير، في المقابل، تساؤلات حول مدى قدرة مختلف الفاعلين على مواكبة هذا السقف في ظل تفاوت الإمكانيات.
وفي هذا الإطار، أوضح مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة، أن هذه المقتضيات تندرج ضمن استكمال الترسانة القانونية المؤطرة للعملية الانتخابية، مشيراً إلى أنها تهدف إلى ضبط النفقات وضمان تكافؤ الفرص بين المترشحين، إلى جانب تنظيم استعمال الوسائل السمعية البصرية خلال الحملة.
كما صادق المجلس الحكومي على مرسوم ثانٍ يهم تحديد شكل ومضمون ورقة التصويت الفريدة الخاصة بانتخاب أعضاء مجلس النواب، في إطار توحيد المساطر وتعزيز وضوح العملية بالنسبة للناخبين.
وفي المقابل، يرى عدد من المتتبعين أن التحدي لا يرتبط فقط بحجم الإنفاق المسموح به، بل بمدى نجاعة آليات المراقبة والتتبع، بما يضمن انسجام ما يُصرَّح به مع ما يُصرف فعلياً.
وفي الضلع الثاني من هذا المثلث، يبرز التحول نحو الرقمنة عبر اعتماد منصة إلكترونية لتدبير مسطرة الترشيح، وهو إجراء يهدف إلى توحيد المساطر وتبسيطها، وإنهاء الإشكالات المرتبطة بأساليب الإيداع التقليدية.
كما يرتبط ترتيب المترشحين داخل اللوائح بهذه المنصة، بدل معيار الأسبقية الذي كان معمولاً به سابقاً، وهو ما يعكس تحولاً في منطق تدبير الترشيحات.
غير أن هذا التحول، رغم إيجابياته، يطرح بدوره تحديات مرتبطة بمدى تكافؤ الولوج إلى الأدوات الرقمية، خاصة بالنسبة لبعض الفاعلين أو المجالات التي قد تواجه صعوبات تقنية أو لوجستية، وهو ما يستدعي مواكبة عملية تضمن استفادة متوازنة من هذا التحول.
وتشمل هذه المقتضيات أيضاً حالات المترشحين غير المنتمين حزبياً.
أما الضلع الثالث، المتعلق بتحديد يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026 موعداً للاقتراع، فيعكس توجهاً تنظيمياً يخرج عن النمط المعتاد المرتبط بيوم الجمعة.
هذا الاختيار، وإن كان يدخل في إطار تدبير الزمن السياسي، يثير نقاشاً حول تأثيره المحتمل على نسب المشاركة، خاصة في صفوف فئات مهنية قد تجد صعوبة في التوفيق بين الالتزامات اليومية والمشاركة في التصويت خلال منتصف الأسبوع.
بهذا المعنى، يتشكل ما يمكن تسميته بمثلث المال والرقمنة والزمن، كإطار جديد يؤطر شروط التنافس السياسي في أفق المرحلة المقبلة، حيث لم تعد المنافسة تُقاس فقط بالبرامج والخطاب، بل أيضاً بالقدرة على التكيف مع هذه التحولات المتداخلة.
يبدو أن الاستعدادات الجارية تتجه نحو بناء نموذج أكثر تنظيماً من حيث القواعد والمساطر، من خلال تداخل هذه العناصر ضمن تصور متكامل.
غير أن الرهان الأساسي يظل مرتبطاً بمدى قدرة هذه التحولات على تعزيز الثقة وضمان تكافؤ الفرص بشكل فعلي، بما يتيح توسيع قاعدة المشاركة وتكريس تنافس يعكس اختيارات المواطنين في أفضل الظروف الممكنة.
وبين من يرى في هذه الإجراءات خطوة نحو تحديث الممارسة، ومن يطرح تساؤلات حول آثارها العملية، تبقى سنة 2026 محطة مهمة ستُختبر فيها قدرة هذه القواعد الجديدة على تحقيق التوازن بين التنظيم والإنصاف.
