بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد النقاش حول التعيينات في المؤسسات العمومية بالمغرب مجرد جدل مهني عابر، بل أضحى اختباراً حقيقياً لمصداقية الشعارات المرفوعة حول “ربط المسؤولية بالمحاسبة”.
وما يتم تداوله اليوم في أوساط مهنية ونقابية بخصوص منصب مدير وكالة التنمية الاجتماعية (ADS)، التابعة لوزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، يضعنا أمام حالة تثير تساؤلات حول كيفية تدبير هذا النوع من التعيينات.
وتشير معطيات مهنية إلى أن مسطرة الترشح لهذا المنصب عرفت مرحلتين أساسيتين؛ إذ صدر الإعلان الأول بتاريخ 7 مارس 2025 محدداً لشروط الترشيح وفق بروفايل تقليدي مرتبط بمجال التدبير الاجتماعي، قبل أن يتم تحيين هذه الشروط بموجب قرار لاحق بتاريخ 29 دجنبر 2025، تم خلاله إدراج عنصر جديد يتعلق بـ“الدراية بمجال الاقتصاد بصفة عامة، وخاصة في مجالات التنمية الاجتماعية”.
ويأتي هذا التعديل في سياق مؤسساتي دقيق، حيث ظل منصب مدير الوكالة شاغراً لعدة أشهر، وهو ما يضفي على مسار التعيين بعداً إضافياً من حيث التوقيت ودلالاته.
إن ما يشير إليه عدد من الفاعلين المهنيين لا يتعلق فقط بـ“تعديل تقني” في شروط الترشيح، بل بما يُفهم منه إعادة صياغة جزئية لمواصفات المنصب.
فالنقاش الدائر لا ينحصر في تطوير معايير الجودة، بل يمتد إلى طبيعة التحولات التي قد تطال بروفايل المرشح المطلوب، في سياق يتقاطع، وفق معطيات مهنية، مع أسماء متداولة داخل دوائر القرار.
فإدراج شرط “الدراية بالاقتصاد” ضمن معايير الانتقاء، في مرحلة متقدمة من المسطرة، يُقرأ من طرف بعض المتابعين كتحيين مشروع يواكب تطور السياسات العمومية، فيما يرى آخرون أنه قد يساهم في توجيه مسار الانتقاء نحو بروفايلات محددة، خصوصاً تلك المرتبطة بالخبرة الاقتصادية داخل مؤسسات تشريعية، مثل البرلمان، دون أن تكون لها بالضرورة تجربة ميدانية مباشرة في مجال العمل الاجتماعي.
وتشير مصادر مهنية إلى أن طبيعة تدخل وكالة التنمية الاجتماعية تستدعي، تقليدياً، خبرة ميدانية في برامج الإدماج ومحاربة الهشاشة، وهو ما يجعل أي تحول في شروط الترشح موضوع نقاش مشروع داخل الأوساط المختصة.
فالتوازن بين المقاربة الاقتصادية والبعد الاجتماعي يظل عنصراً حاسماً في تحديد نجاعة التدخلات العمومية في هذا المجال.
وفي هذا السياق، يطرح بعض المتتبعين تساؤلات حول مدى انسجام هذه التعديلات مع روح الفصل 92 من الدستور المغربي، الذي يؤطر التعيينات في المناصب العليا على أساس الكفاءة والاستحقاق، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وهي تساؤلات تظل، في غياب توضيحات رسمية مفصلة، مفتوحة على أكثر من قراءة.
كما أن غياب تواصل مؤسساتي واضح حول خلفيات هذا التعديل يوسع هامش التأويل، حيث تتراوح القراءات بين من يرى في الأمر توجهاً نحو تحديث معايير الانتقاء، ومن يربطه بإعادة ترتيب أولويات الاختيار وفق اعتبارات قد لا تكون معلنة بشكل كافٍ.
إن الرهان في مثل هذه التعيينات لا يتعلق فقط بشغل منصب إداري، بل بمدى قدرة المؤسسات على ترسيخ نموذج حكامة قائم على الشفافية وتكافؤ الفرص.
فكلما كانت معايير الاختيار واضحة ومعلنة، تعززت الثقة، وكلما غاب هذا الوضوح، اتسعت مساحة التساؤل.
وبين هذين المنظورين، يبقى السؤال قائماً: هل نحن أمام تحيين طبيعي لمواصفات الكفاءة المطلوبة، أم أن الأمر يعكس تحولات أعمق في كيفية تدبير التعيينات داخل مؤسسات يفترض أن تكون في صلب بناء الثقة الاجتماعية؟
