بقلم: الباز عبدالإله
لم تكن المواجهة التي جمعت محمد نبيل بن عبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، بمهدي ياسيف، عضو الشبيبة التجمعية، مجرد لحظة نقاش عابر داخل برنامج تلفزيوني، بل تحولت إلى اختبار سياسي مفتوح عكس بوضوح الفارق بين تجربتين: واحدة راكمت سنوات من التدبير والممارسة، وأخرى لا تزال في طور التشكل والبحث عن موقع داخل المشهد.
هذه المواجهة، التي اتسمت بحدة في النبرة وتبادل للاتهامات حول الحصيلة الحكومية، سرعان ما تجاوزت بعدها الظرفي لتطرح سؤالاً أعمق: هل نحن أمام جيل جديد يعيد تعريف الجرأة السياسية، أم أمام اندفاع يحتاج إلى ميزان التجربة في زمن “الخوارزميات”؟
في هذا السياق، بدا بن عبد الله سياسياً متمرساً يستند إلى رصيد طويل داخل دواليب القرار، وهو ما انعكس في قدرته على تأطير النقاش ضمن سياق أوسع، مستحضراً مسارات حكومية بلغة دقيقة.
فالرجل، الذي راكم “غبرة” السياسة لسنوات، لم يتعامل مع المواجهة كرد فعل، بل كامتداد لمسار يعرف جيداً كيف يُدير إيقاعه، محاولاً في الآن ذاته تكريس صورة “الأستاذ” الذي يشرح تعقيدات الممارسة السياسية لجيل لا يزال في طور بناء أدواته.
وفي المقابل، اختار ممثل الشبيبة التجمعية أسلوباً مباشراً وحاداً، ركز فيه على مساءلة “إرث” بن عبد الله، غير أن هذا الحضور، رغم جرأته، عكس في نظر عدد من المتابعين حاجة إلى مزيد من التكوين السياسي والقدرة على إدارة النقاش بعيداً عن منطق الصدام، خاصة عند ملامسة ملفات حساسة كقطاع الصحة وإعفاءات “الحسيمة منارة المتوسط”.
وهنا، بدا أن الذاكرة السياسية المغربية لا تزال تُستدعى كأداة للتأطير في صراعات 2026، حيث وجدت الطبقة السياسية الجديدة في “إخفاقات الماضي” مادة دسمة لانتقاد الخصوم، في مقابل تهرب أحياناً من تقديم إجابات واضحة حول “تحديات الحاضر”.
لكن ما ميز هذه اللحظة ليس مضمونها فحسب، بل امتدادها السريع إلى الفضاء الرقمي.
فبينما كان النقاش يدور في البلاتو، كانت المنصات الاجتماعية، خاصة “تيك توك” و”فيسبوك”، تعيد تشكيله عبر مقاطع مجتزأة (Clips)، ما حول جوهر الأفكار إلى سباق على التفاعل.
إن هذه المواجهة تفتح الباب أمام تساؤل مقلق: هل نحن بصدد صناعة “أبطال رقميين” يتقنون فن الرد المسكت (Clash) لكنهم لا يزالون في طور اكتساب النفس التشريعي والتدبيري؟ إن خطورة هذا التحول تكمن في اختزال أعقد الملفات الوطنية في “لايف” أو “ستوري”، مما قد يفرغ المؤسسات من وقارها ويحولها إلى فضاءات للاستعراض.
وقد انقسمت ردود الفعل بين من رأى في ياسيف تعبيراً عن نفس سياسي جديد يسعى إلى كسر نمط الزعامات التقليدية، ومن اعتبر أن حضور بن عبد الله يعكس أهمية الخبرة في الحفاظ على توازن النقاش العمومي ومنع انزلاقه نحو التبسيط المفرط.
في العمق، تعكس هذه المواجهة ما يشبه “بروفة سياسية مبكرة” للاستحقاقات المقبلة في سبتمبر 2026، حيث لم يعد النقاش حكراً على القيادات الحزبية، بل أصبح مفتوحاً أمام أجيال تحاول فرض حضورها بأساليب مختلفة.
لأن السياسة، في جوهرها، ليست سباقاً في سرعة الرد، بل اختباراً في القدرة على اتخاذ القرار تحت ضغط الواقع.
غير أن التحدي المركزي يظل قائماً: كيف يمكن تحقيق التوازن بين جرأة الطرح وعمق التجربة؟ فالمسافة بين الجيلين لا ينبغي أن تكون صراعاً، بل مساحة للتدرج والتكامل، حتى يستمر النقاش السياسي في أداء وظيفته الأساسية: الإقناع لا الانفعال، والتأثير لا مجرد الحضور أمام الكاميرات.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن على مشارف الموعد الانتخابي: هل سيفضل الناخب المغربي “رزانة” الخبرة التي تمثلها الوجوه التقليدية، أم سينحاز لـ “جرأة” الوجوه الجديدة حتى لو كانت تفتقر للمسار الطويل؟
