بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد الارتفاع المتواصل لأسعار اللحوم الحمراء في الأسواق المغربية مجرد موجة ظرفية يمكن تفسيرها بعوامل مناخية أو بتقلبات السوق الدولية، بل أضحى مؤشراً مقلقاً يطرح تساؤلات جوهرية حول نجاعة السياسات العمومية في قطاع حيوي يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي والقدرة الشرائية للمواطنين.
فبلوغ سعر الكيلوغرام حوالي 130 درهماً، في سياق تفعيل برامج دعم مهمة موجهة للكسابة وسلاسل التوريد، يفتح نقاشاً مشروعاً حول مدى انعكاس هذه المجهودات على الأسعار النهائية داخل السوق.
كشفت مداخلات برلمانية حديثة عن استمرار هذا التباين بين حجم الدعم المعلن ووضعية الأسعار، حيث طُرحت تساؤلات حول مسارات هذا الدعم، ومدى وصول أثره إلى المستهلك النهائي.
كما أُثيرت قراءات أكثر حدة داخل النقاش العمومي، تشير إلى تضخم دور الوسطاء وتنامي نفوذ المضاربين داخل سلاسل التوزيع، بما قد يؤدي إلى امتصاص جزء من أثر الدعم العمومي قبل وصوله إلى المستهلك، في ظل محدودية آليات التتبع والمراقبة.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال مركزي لا يقل أهمية عن حجم الدعم نفسه: أين هي مشروطية هذا الدعم؟ وكيف يُمنح المال العام لفاعلين داخل السلسلة الإنتاجية دون ربطه بشكل واضح بالتزامات تضمن استقرار الأسعار وانعكاسه المباشر على القدرة الشرائية للمواطنين؟
بالموازاة مع ذلك، تبرز معطيات رسمية مرتبطة بطلب العروض رقم 31/2025/DAAJ، الصادر عن مديرية الشؤون الإدارية والقانونية بوزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، والتي تفيد بإسناد صفقة للحراسة بتاريخ 31 دجنبر 2025 بقيمة تناهز 4,35 ملايين درهم (أزيد من 436 مليون سنتيم).
ورغم أن هذا النوع من النفقات يندرج ضمن متطلبات التسيير الإداري العادي، فإن توقيته وسياقه الاقتصادي يثيران نقاشاً أوسع حول ترتيب الأولويات داخل السياسات العمومية، خاصة في ظل ظرفية تتسم بضغط متزايد على القدرة الشرائية.
إن الجمع بين استمرار ارتفاع أسعار اللحوم، رغم برامج الدعم، وبين تخصيص اعتمادات مالية مهمة لنفقات تسييرية، يعيد طرح سؤال فعالية النموذج المعتمد في تدبير القطاع.
هل يتعلق الأمر بإكراهات ظرفية في السوق وسلاسل الإنتاج؟ أم أننا أمام حدود بنيوية لسياسات دعم لم تُربط بشكل كافٍ بمؤشرات الأثر والنتائج؟
كما أن هذا الوضع يسلط الضوء على أهمية الانتقال نحو مقاربة أكثر دقة في استهداف الدعم، تقوم على ربطه بمؤشرات قابلة للقياس، وتعزيز الشفافية في مختلف حلقات السلسلة الإنتاجية، بما يضمن وصول أثره إلى المستهلك النهائي.
في النهاية، لم يعد النقاش يقتصر على حجم الدعم أو عدد المستفيدين، بل انتقل إلى سؤال الأثر والجدوى.
فالمواطن المغربي لم يعد يملك رفاهية انتظار مزيد من الدراسات أو الوعود، بقدر ما ينتظر إجراءات ملموسة تنعكس على أسعار المواد الأساسية.
وبينما تُرصد اعتمادات مهمة لتأمين المرافق الإدارية، يظل السؤال قائماً: من يؤمّن استقرار القفة اليومية للمغاربة؟
