بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد التوصيف الشعبي “حكومة المحطوطين” مجرد نكتة سياسية عابرة تُتداول في المقاهي أو خلف شاشات الهواتف، بل تحول إلى مفتاح سوسيولوجي لفهم أزمة الثقة التي تضرب أركان العلاقة بين المواطن والمؤسسات.
فالسؤال الذي يطرح نفسه اليوم بإلحاح وتوتر، لم يعد يتعلق بالبرامج الحكومية أو المخططات الاستراتيجية التي تُصرف عليها الملايير، بل بكيفية “هندسة” الوصول إلى مواقع القرار وتوزيع كعكة المناصب العمومية.
إننا أمام مشهد سريالي، حيث تتحدث الخطابات الرسمية عن “الدولة الاجتماعية” وتكافؤ الفرص، بينما الواقع السائل يكشف عن “مسارات سريعة” محجوزة سلفاً لأسماء بعينها، غالباً ما تكون مؤهلاتها الوحيدة هي الانتماء لشبيبات حزبية أو القرب من دوائر تنظيمية معينة، مما يحول الإدارة من مرفق عمومي إلى مجال لتوازنات ذات طابع سياسي.
ولفهم عمق هذا التحول، لا بد من استحضار مفهوم “الارتقاء الاجتماعي المعطل”.
فقد شكلت الوظيفة العمومية والمناصب العليا تاريخياً “المصعد الاجتماعي” الذي مكن أبناء الطبقة المتوسطة والفئات الشعبية من تحسين أوضاعهم عبر الكفاءة والاجتهاد.
غير أن هذا المصعد، حين يُحجز بشكل غير معلن لفائدة دوائر القرب، لا يعني فقط ضياع فرص فردية، بل يشكل تعطيلًا لآلية التوازن الاجتماعي برمتها، بما يحمله ذلك من آثار ممتدة على الإحساس العام بالإنصاف.
ولا تتوقف خطورة هذا المشهد عند حدود العدالة الاجتماعية، بل تمتد إلى ما يمكن تسميته بـ”الثمن التقني” للمحسوبية.
فالمناصب التي تُمنح بمنطق الولاء بدل الكفاءة، تُنتج بالضرورة إدارة مثقلة بالاعتبارات التنظيمية، حيث يجد المسؤول نفسه منشغلاً بالحفاظ على توازناته أكثر من انشغاله بحل مشاكل المواطنين.
وهو ما يفسر، في جانب منه، تعثر عدد من البرامج والمشاريع، رغم توفرها على إمكانيات مالية مهمة.
وفي هذا السياق، يصبح المشهد أقرب إلى مفارقة بين “ديمقراطية الاستحقاق” كما ينص عليها الدستور، و”منطق العلاقات” كما توحي به بعض الممارسات.
فبينما تؤسس النصوص لفكرة المواطنة المتساوية، يتشكل لدى جزء من الرأي العام انطباع بأن الولوج إلى بعض المواقع يمر عبر قنوات غير رسمية، وهو ما يضعف الإحساس بأن الفرص متاحة على نفس المسافة من الجميع.
ولا يمكن، بطبيعة الحال، تعميم هذه القراءة على كافة مسارات التعيين، إذ تظل هناك تجارب ناجحة وكفاءات أثبتت حضورها داخل الإدارة، غير أن الإشكال يكمن في الانطباع العام الذي يتشكل لدى الرأي العام عندما تتكرر بعض المؤشرات.
وفي موازاة ذلك، تبرز ظاهرة أخرى لا تقل دلالة، وهي استمرار نزيف الكفاءات نحو الخارج.
فبينما تفتح عدد من الدول أبوابها للأطر المغربية في مجالات الطب والهندسة والبحث العلمي، يجد بعض هؤلاء أنفسهم أمام واقع داخلي لا يمنحهم نفس فرص التقدم، وهو ما يعمق الشعور بالمفارقة بين ما هو ممكن خارج الوطن وما هو متاح داخله.
وفي هذا السياق، تصبح “قوارب الموت” التي تبتلع أحلام الشباب في عرض المتوسط هي “صناديق الاقتراع” الحقيقية؛ إنها هجرة احتجاجية تقول بمرارة إن البحر، برغم قسوته وغدره، يبدو في نظر البعض أكثر “إنصافاً” من وطن يوصد أبوابه في وجه أبنائه ويفتح “نوافذ خلفية” للمقربين.
إن الاستمرار في هذا النهج التدبيري، الذي يقدم الولاء التنظيمي على الكفاءة الوطنية، يضع الدولة أمام تحدي وجودي، فالأمر لا يتعلق فقط بضعف في الأداء الإداري، بل بتآكل “الرأسمال اللامادي” المتمثل في الثقة.
وعندما تختفي الحواجز بين العمل السياسي والمرفق الإداري، نصبح أمام “ريع مؤسساتي” يهدد السلم الاجتماعي ويغذي تيارات اليأس والعدمية.
إن الحاجة اليوم ليست إلى مجرد تعديلات تقنية، بل إلى “ثورة بيضاء” في منظومة التعيينات والترقيات، تُعيد للاستحقاق هيبته وتطمئن الجميع بأن قواعد اللعبة واحدة.
فالدولة التي تستثمر في بناء السدود والمطارات والملاعب، يجب أن تدرك أن أعظم استثمار هو “بناء الإنسان” عبر إحساسه بالإنصاف؛ لأن أخطر ما قد يواجه المجتمع ليس قلة الإمكانيات، بل الشعور بأن مستقبله “محجوز سلفاً” لغيره، وأن المواطنة الحقة أصبحت مرتبطة بـ “البطاقة الحزبية” لا بـ “البطاقة الوطنية”.
وعندما تنغلق الأبواب بصمت في وجه الكفاءة، لا يصبح البحر مجرد مغامرة، بل يتحول في نظر الكثيرين إلى البديل الوحيد للهروب من واقع “المحطوطين”.
