بقلم: الباز عبدالإله
في مشهد بروتوكولي لا يخلو من كثير من “التزيين السياسي”، أعلن حزب التجمع الوطني للأحرار، أمس السبت، تعيين رئيس جديد لفريقه بمجلس النواب، في خطوة قُدّمت ضمن خطاب الحزب كجزء من دينامية “تجديد النخب”.
غير أن قراءة هادئة للمعطيات تضع هذا الاختيار في زاوية أكثر حساسية، حيث تشير معطيات متداولة إلى أن الحصيلة الرقابية للمعني بالأمر لا تتجاوز تسعة (9) أسئلة كتابية طيلة ولاية تشريعية كاملة، تتخللها فترات من الغياب شبه التام لهذه الآلية الدستورية.
الأمر هنا لا يتعلق بتقييم شخصي، بقدر ما يفتح نقاشاً أوسع حول معايير إسناد المسؤولية داخل الأغلبية.
فالسؤال الكتابي ليس مجرد إجراء شكلي، بل أداة رقابية أساسية تتيح للبرلمان مساءلة العمل الحكومي وربط السياسات العمومية بانشغالات المواطنين.
وعندما يكون هذا الرصيد محدوداً إلى هذا الحد، فإن تعيين صاحبه على رأس أكبر فريق نيابي يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة الأدوار المنتظرة من المؤسسة التشريعية.
هذا التعيين يأتي في سياق إعادة ترتيب التوازنات داخل الفريق النيابي، وهو معطى مفهوم في منطق التنظيمات الحزبية.
غير أن الإشكال يظل قائماً: هل تعكس هذه الاختيارات إرادة في تقوية الدور الرقابي، أم أنها تؤشر على أولوية الانسجام الداخلي على حساب المبادرة البرلمانية؟
في هذا السياق، يكتسي تصريح المعني بالأمر حول “مضاعفة الجهود الرقابية” دلالة خاصة، إذ يطرح، بهدوء، سؤالاً حول منطلقات هذا الوعد.
فالمضاعفة، في بعدها العملي، تفترض وجود قاعدة يُبنى عليها الجهد، وهو ما يجعل هذا التعهد، بالنظر إلى الحصيلة الرقمية المتداولة، أقرب إلى رهان مؤجل على المستقبل، أكثر منه امتداداً لمسار قائم.
وإذا كان النقاش تقنياً في ظاهره، فإنه يكتسب بعداً اجتماعياً أعمق عند ربطه بسياق السنوات الأخيرة، حيث عرفت البلاد نقاشات حادة حول القدرة الشرائية، وارتفاع الأسعار، وإكراهات قطاعات حيوية كالصحة والتعليم.
في مثل هذه اللحظات، يُنتظر من المؤسسة التشريعية أن تكون فضاءً حيوياً لنقل انشغالات المواطنين، وهو ما يعيد طرح سؤال الحضور الرقابي وحدوده خلال تلك الفترات.
كما يطرح هذا التعيين، في خلفيته، مسألة “تمكين الشباب” كما تُقدَّم في الخطاب السياسي.
فتمكين الأجيال الصاعدة داخل المؤسسات لا يُقاس فقط بعامل السن أو التجديد الشكلي، بل بمدى قدرتها على إغناء النقاش العمومي والمساهمة في تفعيل أدوار الرقابة والتشريع.
وهو ما يفتح نقاشاً أوسع حول طبيعة النماذج التي يتم الدفع بها إلى الواجهة داخل العمل البرلماني.
لا تبدو هذه الخطوة مجرد تداول عادي على المسؤوليات، بل تعكس تحولاً أعمق في فهم وظيفة البرلمان داخل الأغلبية.
وبين خطاب “تجديد النخب” وواقع الأرقام، تتجه القراءة نحو استنتاج أن معيار “الانسجام” قد يتقدم، في بعض الحالات، على منطق المبادرة الرقابية، بما يطرح تحدياً حقيقياً أمام حيوية المؤسسة التشريعية ودورها في مواكبة انتظارات المجتمع.
