بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن خطاب إدريس لشكر في بوزنيقة مجرد محطة سياسية عابرة، بل جاء بنبرة انتقادية مرتفعة تجاه ما اعتبره اختلالاً في تدبير سوق المحروقات وتوجيه السياسات العمومية.
غير أن هذه النبرة، على قوتها، تفتح نقاشاً أكثر تركيباً حول توازن المواقف داخل الخطاب السياسي للحزب، وحدود الانتقال بين منطق المؤسسة ومنطق المنصة.
ففي لحظة سابقة، حين طُرحت مبادرة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول دعم المواشي، اختار الحزب مقاربة حذرة، قوامها التشكيك في جدوى الآلية وصعوبة تفعيلها داخل السياق البرلماني.
غير أن هذا التحفّظ لا يمكن قراءته فقط كخيار تقني، بل كعامل ساهمبشكل مباشر أو غير مباشر
في إضعاف وحدة المعارضة حول آلية رقابية كان يمكن أن تشكل لحظة مساءلة جماعية للحكومة.
وهو ما يجعل التحول الحالي في النبرة مثيراً للتساؤل: هل نحن أمام مراجعة حقيقية للمواقف، أم أمام محاولة لإعادة التموضع داخل مشهد معارض يبحث عن قيادة أوضح؟
في هذا السياق، يبرز التصعيد الخطابي في بوزنيقة كإشارة محتملة إلى سعي الحزب إلى لعب دور أكثر مركزية داخل المعارضة، وربما قيادة قطب سياسي يستثمر ملفات ذات حمولة اجتماعية قوية، وعلى رأسها القدرة الشرائية.
غير أن هذا التحول يطرح، في المقابل، سؤال الاستمرارية: كيف يمكن الانتقال من التحفّظ على أدوات رقابية مؤسساتية إلى تبني خطاب نقدي مرتفع خارجها؟
من جهة أخرى، فإن الانتقادات الموجهة لأرباح شركات المحروقات لا تأتي في فراغ، بل تتقاطع مع معطيات سبق أن أوردتها تقارير مؤسساتية، من بينها خلاصات مجلس المنافسة، التي أثارت مسألة هوامش الربح داخل القطاع.
وهو ما يطرح تساؤلاً إضافياً: هل نحن أمام توظيف سياسي لمعطيات جاهزة لتعزيز الخطاب، أم أمام إرادة فعلية لتحويل هذه المؤشرات إلى مبادرات رقابية وتشريعية ملموسة؟
أما استحضار التوترات الجيوسياسية، فيحمل بعداً استشرافياً لا يمكن إنكاره، لكنه يفتح الباب أمام قراءة موازية أكثر حدّة: إلى أي حد يتحول التحذير من الخارج إلى شكل من أشكال “الهروب نحو الجيوسياسي” لتفسير اختلالات ترتبط، في جوهرها، بآليات ضبط داخلية؟ وهل يمكن الحديث عن يقظة استراتيجية دون تفعيل صارم لأدوات الرقابة على السوق الوطنية؟
وفي مستوى أعمق، يبرز “المسكوت عنه” كجزء من هذا النقاش؛ إذ يطفو ملف الإثراء غير المشروع باعتباره الملف المسكوت عنه الذي يمثل حجر الزاوية في محاربة الفساد، ومع ذلك يغيب بنفس الحدة عن الخطاب السياسي، مقارنة بمواضيع ذات وقع جماهيري مباشر.
وهو ما يطرح سؤالاً دقيقاً حول انتقائية الأولويات بين ما هو بنيوي وما هو ظرفي.
إن المتتبع للشأن السياسي لا يمكنه إغفال عنصر التوقيت؛ فمع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، تتحول القضايا الاجتماعية إلى محور مركزي في إعادة تشكيل الخطاب السياسي.
وبين تحفّظ الأمس وتصعيد اليوم، تتشكل ملامح تموقع جديد يسعى من خلاله الحزب إلى استعادة حضوره داخل معادلة المعارضة، وربما إعادة ترتيب أدوارها.
لا يبدو الاختبار الحقيقي لبوصلة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في بلاغة الخطاب أو حدّة الانتقاد، بقدر ما يرتبط بمدى قدرة كتلته النيابية على تحويل هذه المواقف إلى مبادرات تشريعية ورقابية ملموسة.
فالمواطن الذي يواجه يومياً ضغط الأسعار، لم يعد يميز كثيراً بين صمت المؤسسة وارتفاع النبرة في المنصات، بقدر ما ينتظر أثراً فعلياً ينعكس على واقعه المعيشي.
