بقلم: الباز عبدالإله
تُعد Al Mada من بين الأسماء التي تستدعي الانتباه عند الحديث عن بنية القوة الاقتصادية في المغرب.
وتُعرَّف Al Mada، من الناحية القانونية، بأنها شركة قابضة استثمارية خاصة (Holding)، أي كيان لا يزاول النشاط الإنتاجي المباشر، بل يمتلك حصصًا وأسهمًا في شركات تنشط عبر قطاعات متعددة.
صحيح أن هذه القابضة الخاصة، المرتبطة بالملك Mohammed VI، راكمت خلال العقدين الأخيرين حضورًا وازنًا في مجالات استراتيجية، من المال والمناجم إلى الطاقة والصناعة والفلاحة، غير أن قراءة أوسع في تقارير دولية متخصصة تُظهر أن المشهد الاقتصادي المرتبط بالمحيط الملكي أكثر تنوعًا وتشعبًا مما يبدو في الواجهة الرسمية.
فبحسب تحقيقات نشرتها منصات دولية معنية بتتبع شبكات النفوذ والقرار، من بينها Africa Intelligence، فإن أفرادًا من العائلة الملكية، إلى جانب شخصيات تنتمي إلى الدوائر القريبة من مركز القرار، وسّعوا خلال السنوات الماضية أنشطتهم الاستثمارية في مجالات متعددة، تشمل العقار والسياحة والتعليم العالي الخاص، بل وحتى بعض الأنشطة الصناعية ذات الطابع التكنولوجي، مثل سلاسل التصنيع المرتبطة بصناعة الطيران.
اللافت في هذه الدينامية ليس فقط تنوع القطاعات، بل طبيعة الحضور نفسه.
فغالبية هذه الأنشطة تُدار عبر شركات خاصة، أو شراكات مع فاعلين محليين ودوليين، دون أن يقترن ذلك بتولّي مناصب حكومية أو مسؤوليات رسمية مباشرة.
وهو ما يجعل تتبع هذه الشبكات الاقتصادية مسألة معقدة، لا تستند إلى وثائق إدارية ظاهرة، بقدر ما تعتمد على تقاطعات المصالح ومسارات الاستثمار ودوائر القرب من مراكز القرار.
هذا التداخل لا يُقاس فقط بحجم الاستثمارات، بل أيضًا بقدرة بعض الفاعلين على التحرك داخل فضاءات لا تكون متاحة بالقدر نفسه لباقي المستثمرين.
في هذا السياق، يبرز اسم Mounir el-Majidi، الكاتب الخاص للملك ورئيس مجلس إدارة Al Mada، بوصفه أحد أكثر الفاعلين تأثيرًا في هذا المشهد المركب.
فإلى جانب دوره المركزي داخل القابضة الملكية، تشير تقارير متخصصة إلى أنه راكم، على امتداد سنوات، نفوذًا اقتصاديًا معتبرًا في قطاعات مثل الاتصالات والخدمات، سواء داخل المغرب أو خارجه.
ولا تقف هذه الشبكة عند حدود فاعل واحد، إذ تتحدث المصادر نفسها عن ولوج عدد من المقربين من هذه الدائرة إلى مجالات أخرى، من قبيل الأشغال العمومية (BTP) أو خدمات الأمن والحراسة، أحيانًا في إطار التعاقد من الباطن مع شركات كبرى تنشط في مشاريع ذات طابع عمومي أو شبه عمومي وهي وضعية تثير نقاشًا مشروعًا حول طبيعة الحدود الفاصلة بين الاستثمار الخاص والامتياز غير المعلن.
ومن الناحية الرسمية، لا يوجد ما يمنع قانونيًا أفراد العائلة الملكية أو محيطها من ممارسة أنشطة اقتصادية خاصة.
لكن الإشكال، كما تطرحه التقارير والتحليلات الدولية، لا يرتبط بمبدأ الاستثمار في حد ذاته، بل بتراكم النفوذ في سياق تتداخل فيه السلطة الرمزية والقرب من القرار مع منطق السوق والمنافسة.
وفي اقتصاد ناشئ مثل المغرب، حيث لا تزال قواعد تكافؤ الفرص موضوع نقاش دائم، يصبح توسع هذا النوع من الرأسمال “القريب من السلطة” عنصرًا مؤثرًا في بنية السوق وتوزيع الحظوظ بين الفاعلين الاقتصاديين.
وهو ما يطرح، بهدوء، سؤال تكافؤ الفرص في سوق يُفترض أن تحكمه قواعد الشفافية، لا دوائر القرب.
كيف يمكن الحديث عن منافسة عادلة حين يكون بعض المستثمرين، بحكم موقعهم أو قربهم، في وضعية أفضل من غيرهم؟ وأين تنتهي حدود النفوذ السياسي، وأين يبدأ الاستثمار الاقتصادي الخالص؟
ويحرص الخطاب الرسمي المغربي، في المحافل الدولية، على إبراز الاستقرار السياسي والمؤسساتي كرافعة أساسية لجذب الاستثمار.
غير أن التقارير التي تتناول اقتصاد النفوذ تذكّر، في المقابل، بأن الاستقرار وحده لا يكفي لبناء ثقة طويلة الأمد، ما لم يكن مقرونًا بشفافية أكبر في العلاقة بين السلطة والثروة.
ولا يتعلق الأمر هنا بإطلاق أحكام أو توجيه اتهامات، بقدر ما هو توصيف لنموذج اقتصادي-سياسي قائم، تراه بعض الدوائر البحثية والإعلامية الدولية بحاجة إلى نقاش أعمق، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها المغرب ورهاناته المعلنة على جذب استثمارات كبرى وتنظيم تظاهرات عالمية وتعزيز موقعه كشريك اقتصادي موثوق.
وما تكشفه هذه القراءة ليس “سرًا مخفيًا”، بل واقعًا يُتداول خارج الحدود أكثر مما يُناقش داخلها. واقع يطرح سؤالًا جوهريًا حول مستقبل النموذج المغربي: هل يمكن التوفيق بين اقتصاد تقوده شبكات نفوذ غير معلنة، وبين طموح معلن إلى اقتصاد تنافسي شفاف؟ أم أن هذا التوتر سيظل، كما في السابق، مؤجلًا إلى إشعار آخر؟ سؤال لا يستهدف أشخاصًا، بقدر ما يلامس نموذجًا كاملاً، حيث لا تكون «المدى» سوى جزء من لوحة أكبر… لوحة لا تزال تُقرأ خارج الحدود أكثر مما تُناقش داخلها.
