بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي مجرد مواقف معزولة أو “زلات لسان” سياسية، بل بدأت ترسم ملامح خطاب يكشف عن توتر ممتد داخل قطاعات حيوية تدير الشأن العام.
وحين يرمي الوزير بورقة الـ100 مليار درهم كديون مستعصية ناتجة عن تعثر المساطر وتعدد الخبرات، فهو لا يقدم رقماً إحصائياً بقدر ما يضع الإصبع على “ثقب أسود” يبتلع جزءاً من دينامية الاقتصاد الوطني ويعطّل تدفقاته تحت غطاء الشرعية التقنية.
وتكمن الجرأة في هذا الطرح في إخراج ملف ظل طويلاً حبيس النقاشات التقنية داخل ردهات المحاكم إلى واجهة النقاش العمومي؛ حيث تحولت الخبرة القضائية، في بعض الحالات، من أداة مساعدة للعدالة إلى عنصر حاسم في توجيه مآلات النزاعات، في ظل الوزن المتزايد للتقدير التقني داخل القرار القضائي.
هذه المعادلة المعقدة ساهمت في خلق مسار ماراثوني من الخبرات والخبرات المضادة، لا يؤدي دائماً إلى الحسم بقدر ما يطيل أمد النزاع، فيما يستمر بعض الأطراف في استغلال عقارات مرهونة دون أداء، وهو ما يمثل إحدى تجليات “الفساد المسطري” المرتبط باستغلال الثغرات القانونية.
ولا تتوقف خطورة هذه الفاتورة الثقيلة عند حدود الأرقام، بل تمتد لتضرب في الصميم مفهوم “الأمن القضائي”؛ فالمستثمر الذي يراقب هذا “الثقب الأسود” المعلن عنه من داخل قبة البرلمان، قد يعيد حساباته قبل ضخ رساميله في بيئة يمكن فيها لتقرير خبرة غير منضبط أو متضارب أن يجمد استثماراته لسنوات.
وهو ما يضع المنظومة برمتها أمام امتحان حقيقي يتجاوز حدود وزارة العدل، ليسائل مدى انخراط باقي الفاعلين القضائيين في ورش إصلاح المساطر، بعيداً عن صراعات الصلاحيات والحساسيات المؤسساتية.
وحين نربط هذا الرقم الصادم بتصريحات سابقة للوزير حول تغلغل بعض أشكال النفوذ داخل مؤسسات مختلفة، تتشكل صورة مركبة لنظام مصالح متشابك، يتقاطع فيه الاقتصادي بالمهني والقانوني.
لذلك، فإن التوجه نحو إحداث منصة رقمية موحدة مع المحافظة العقارية لا يبدو مجرد تحديث إداري، بل محاولة لتقليص هامش الغموض وتوحيد المعطيات، بما يحد من تضارب التقديرات ويفتح المجال أمام قدر أكبر من الشفافية.
كما أن التلويح بترتيب مسؤوليات تأديبية وجنائية في حال ثبوت انحراف في الخبرة يعكس وعياً متزايداً بحساسية هذا المجال، بالنظر إلى تأثيره المباشر على حقوق المتقاضين وعلى الثقة في العدالة.
غير أن السؤال الذي يطفو بإلحاح يظل قائماً: هل تملك هذه الإصلاحات القدرة على الصمود أمام شبكات مصالح راكمت خبرة طويلة في التكيف مع التغييرات؟
إن 100 مليار درهم ليست مجرد رقم ثقيل، بل مؤشر على كلفة اختلالات تتجاوز الملف التقني نحو سؤال أوسع يتعلق بفعالية المساطر وثقة المتقاضين.
ووضع هذا الملف في واجهة النقاش يشكل خطوة أولى، يبقى رهانها الحقيقي في ما إذا كانت ستُترجم إلى إصلاحات ملموسة، أم ستظل مجرد لحظة تشخيص داخل مسار معقد من التوازنات التي يصعب تفكيكها دون إرادة مؤسساتية ممتدة.
فهل تكفي الرقمنة والتهديد بالعقاب الجنائي لترويض “غول” الخبرة القضائية، أم أننا أمام حاجة إلى تحوّل أعمق يمس الثقافة المهنية داخل المهن القانونية برمتها ويعيد تعريف أدوارها داخل منظومة العدالة؟
