بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد الجدل الدائر داخل المجلس الجماعي لمدينة تمارة حول مشروع اتفاقية التدبير المفوض لقطاع النظافة مجرد نقاش تقني مرتبط بتدبير مرفق عمومي، بل تحوّل إلى سؤال أعمق يمس جوهر الثقة في كيفية تدبير أموال دافعي الضرائب، وحدود وضوح القرارات التي تُتخذ باسم المواطنين داخل المؤسسات المنتخبة.
ففي لحظة يُفترض فيها أن تكون الشفافية هي القاعدة، يطفو هذا الملف ليطرح، بهدوء، إشكال العلاقة بين القرار المحلي والرقابة المؤسساتية.
كشفت مصادر إعلامية أن مسار إعداد الصفقة عرف تعديلات خلال مرحلة التفاوض، دون صدور توضيحات رسمية مفصلة بشأن طبيعة هذه التغييرات أو حدود تأثيرها على شروط التنافس بين الشركات.
وفي هذا السياق، يرى متتبعون أن أي تعديل في مراحل متقدمة من المسطرة يطرح تساؤلات حول مدى احترام قواعد تكافؤ الفرص وضمان شفافية الاختيار.
ويزداد هذا النقاش حدة مع الحديث عن عرض مشروع اتفاقية للتصويت داخل المجلس، وُصفت من طرف بعض المنتخبين بأنها لا تتضمن معطيات أساسية، من قبيل تحديد هوية الشركة المفوض لها أو الكلفة السنوية الدقيقة.
وهو ما يثير إشكال وضوح الالتزامات التعاقدية، ومدى تمكين المجلس الجماعي من المعطيات الضرورية قبل اتخاذ قرار التصويت.
وفي السياق ذاته، عبّرت مكونات من المعارضة عن تخوفها من المصادقة على وثيقة تفتقر، حسب تقديرها، إلى التفاصيل التقنية والمالية الكافية، معتبرة أن ذلك قد يحد من قدرة المجلس على ممارسة دوره الرقابي بشكل كامل. بالمقابل، لم تصدر إلى حدود الساعة توضيحات رسمية تفصيلية من رئاسة المجلس الجماعي توضح حيثيات المشروع أو ترد على هذه الملاحظات، وهو ما زاد من منسوب الغموض حول هذا الملف.
ولم يقتصر النقاش على المستوى السياسي، إذ تشير معطيات متداولة إلى شروع بعض الشركات المتنافسة في سلوك مساطر الطعن أمام الجهات المختصة، في خطوة تعكس وجود توتر قانوني محتمل يرافق هذا المسار.
غير أن هذا المسار القضائي، في حال امتد، لا يمثل فقط إجراءً قانونياً عادياً، بل قد يتحول إلى عامل تعطيل مباشر لخدمة حيوية، بما يهدد الاستقرار البيئي والخدماتي داخل المدينة.
وفي هذا السياق، يبرز بُعد آخر لا يقل أهمية، يتعلق باستدامة الخدمة العمومية نفسها.
فالغموض الذي يطبع مرحلة إعداد العقد اليوم، قد يتحول مستقبلاً إلى اختلالات في التنفيذ، حيث إن أي ارتباك في ولادة العقد قد ينعكس على جودة خدمات النظافة، ويطرح تحديات عملية ستواجهها المدينة على المدى المتوسط.
كما يعيد هذا الملف إلى الواجهة روح التوجيهات الملكية التي ما فتئت تؤكد على مبادئ الجدية وربط المسؤولية بالمحاسبة، والدعوة إلى تجاوز أنماط التدبير المغلق نحو حكامة قائمة على الوضوح وربط القرار بالمساءلة. وهو ما يجعل من هذا النقاش امتداداً لسؤال وطني أوسع حول جودة تدبير الشأن العام.
وفي ظل هذا الوضع، يبرز سؤال دور السلطة الوصية، ممثلة في وزارة الداخلية، ليس فقط من زاوية الاختصاص القانوني، بل أيضاً من حيث مستوى التفاعل مع مثل هذه الملفات.
فاستمرار غياب توضيحات رسمية أو مؤشرات تدخل واضح، يفتح المجال لتساؤلات حول مدى تفعيل آليات المراقبة، خاصة عندما يتعلق الأمر بصفقات تهم مرافق حيوية وتمس بشكل مباشر أموال دافعي الضرائب.
كما أن هذا الصمت المؤسساتي، في لحظة يتصاعد فيها الجدل داخل المجلس الجماعي، يطرح إشكالاً مرتبطاً بثقة المواطنين في مسارات تدبير الشأن المحلي، حيث يصبح الغموض عاملاً يغذي التأويلات، بدل أن تُحسم الأسئلة عبر تواصل واضح ومعطيات دقيقة.
ومن زاوية أوسع، يتجاوز هذا النقاش الإطار المؤسساتي ليصل إلى جوهر العلاقة بين المواطن والمؤسسة.
فالمواطن، الذي يساهم في تمويل هذه الخدمات عبر الضرائب والرسوم، ينتظر وضوحاً أكبر في كيفية تدبيرها، وضمانات حقيقية بأن هذه الأموال تُصرف وفق قواعد الشفافية والتنافسية.
في هذا السياق، لا يتعلق الأمر فقط بتدبير مرفق النظافة، بل بكيفية صيانة الثقة في القرار العمومي.
فحماية أموال دافعي الضرائب تبدأ من وضوح المسطرة ونزاهتها قبل توقيع العقود، بما يعزز الثقة ويضمن استمرارية الخدمة في إطار من الشفافية والمسؤولية.
