بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد التراجع الذي سجله المغرب في مؤشر التحول الصادر عن Bertelsmann Stiftung لسنة 2026 مجرد “كبوة رقمية” عابرة في تقارير دولية، بل أضحى مؤشراً يثير تساؤلات قوية حول مسار التدبير السياسي والاقتصادي الذي طبع السنوات الأخيرة.
إن استقرار المملكة في الرتبة 91 عالمياً، وبتنقيط لا يتجاوز 4.4 من 10، لا يمكن قراءته فقط كنتاج سياق دولي مضطرب، بل كحصيلة لمسار يبدو أنه ركّز، في بعض جوانبه، على “الواجهة” أكثر من “العمق”، وراهن على “التوازنات الماكرو-اقتصادية” على حساب رهانات “العدالة الاجتماعية”.
الأرقام هنا لا تجامل؛ فالتراجع الاقتصادي من 5.96 سنة 2022 إلى 5.29 سنة 2026 يطرح، بدوره، حدود الشعارات المرتبطة بـ”الدولة الاجتماعية”.
فالحكومة تبدو، في كثير من الأحيان، “بطلة” في إطلاق الاستراتيجيات الكبرى
من النموذج التنموي الجديد إلى إصلاحات الصحة والتعليم غير أن المؤشر يذكّر، بشكل غير مباشر، بأن العبرة لا تقاس بحجم البرامج المعلنة، بل بقدرتها على إحداث أثر فعلي.
وبين طموح التصورات وصعوبة التنفيذ، يبرز سؤال مدى قدرة الإدارة على مواكبة التغيير، في ظل ما يُفهم أحياناً كنوع من المقاومة البنيوية أو اتخاذ القرار في دوائر بعيدة نسبياً عن تعقيدات الواقع المعيش.
وعندما يتراجع تنقيط الحكامة إلى 4.26، فنحن أمام مؤشر مقلق بشأن النجاعة المؤسساتية. فالحكومة الحالية، رغم استفادتها من أغلبية مريحة، تجد نفسها أمام تحدي تحويل الترسانة القانونية إلى نتائج محسوسة في حياة المواطنين.
ويظهر، في هذا السياق، نوع من التباعد بين وتيرة القرار العمومي وانتظارات المجتمع، حيث لم يعد الرهان في صياغة البرامج، بل في قدرتها على التنفيذ الفعلي وترشيد الموارد وتعزيز الثقة.
أما التنقيط المرتبط بالتحول السياسي (3.52)، فيفتح زاوية أخرى للنقاش تتعلق بطبيعة التوازن داخل المؤسسات. فـ”الأغلبية العددية” لا تعني بالضرورة فعالية أكبر، بل قد تتحول، في غياب دينامية رقابية قوية، إلى عامل يحدّ من حيوية النقاش العمومي.
وفي هذا الإطار، يبرز تساؤل حول مدى تأثير ضعف المعارضة داخل البرلمان على جودة النقاش السياسي، وما إذا كان ذلك يساهم، بشكل غير مباشر، في نوع من “الاسترخاء المؤسساتي” الذي يقلّص من فعالية المساءلة.
وفي المقابل، يرصد التقرير تركيزاً متزايداً على عناصر القوة الناعمة في تدبير صورة المغرب دولياً، سواء من خلال الدينامية الدبلوماسية أو الحضور الرياضي، خاصة في أفق استحقاقات كبرى مثل مونديال 2030.
غير أن هذا التوجه، رغم أهميته، يعيد طرح سؤال الأولويات: هل تكفي رهانات التموقع الدولي لتعويض التحديات الاجتماعية اليومية؟ وهل سينتظر المواطن أثر هذه الدينامية إلى حين اكتمال المشاريع الكبرى، أم أن الحاجة اليوم تظل مرتبطة بتحسين شروط العيش الأساسية، من صحة وتعليم وقدرة شرائية؟ هنا تتجلى المفارقة بين “ملاعب بمعايير عالمية” و”خدمات عمومية تبحث عن توازنها”.
في النهاية، تكمن أهمية هذا المؤشر في كونه لا يقدم أحكاماً نهائية، بل يضع مرآة أمام مسار يحتاج إلى مراجعة مستمرة. فالسؤال لم يعد فقط حول ترتيب رقمي، بل حول اتجاه السياسات: هل نحن أمام نموذج يواجه حدوداً تستدعي إعادة الضبط، أم مرحلة انتقالية قابلة للتصحيح؟
إن استمرار الرهان على “تجميل الواجهة” في الخارج، مع تآكل بعض الأسس في الداخل، قد يجعل من الاستقرار المعلن بناءً جميلاً… لكنه قائم على أرضية هشة.
