بقلم: الباز عبدالإله
لم تكن صفقة “الرفوف” التي أعادت الأحكام القضائية الأخيرة تسليط الضوء عليها مجرد تعثر إداري عابر، بل تبدو، في أحد أبعادها، مؤشراً على إشكالات أعمق ترتبط بكيفية تدبير بعض الصفقات داخل المنظومة التعليمية.
فأن تتحمل الدولة ما يقارب مليون درهم كتعويض لفائدة أحد المقاولين، نتيجة ما وُصف بتقدير إداري مثير للجدل في قراءة دفتر تحملات موحد، لا يُقرأ فقط كواقعة معزولة، بل يطرح تساؤلات أوسع حول كلفة القرار غير المنسق في تدبير المال العام.
كشفت مصادر مهنية أن الصفقة تندرج ضمن برنامج “مدارس الريادة”، حيث تم عرض نفس العينة على عدد من الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، والتي صادقت عليها دون تسجيل ملاحظات جوهرية.
غير أن إحدى الأكاديميات اختارت عدم اعتمادها، في قرار أثار نقاشاً حول مدى توحيد معايير التقييم داخل نفس البرنامج الوطني، خاصة في ظل اختلاف المخرجات رغم وحدة المرجعية التقنية.
وفي محاولة لتعزيز مصداقية عرضه، لجأ المقاول إلى مختبر معتمد لإجراء اختبارات تقنية أثبتت مطابقة المنتوج للمواصفات المطلوبة.
غير أن هذه الخطوة لم تغيّر من مآل القرار، ما أدى إلى توقيف الصفقة وتعطيل صفقات مماثلة، قبل أن يتحول الملف إلى نزاع قضائي انتهى بحكم يُلزم الجهات المعنية بأداء تعويض مالي مهم.
هذا المعطى يعيد طرح سؤال حدود السلطة التقديرية للإدارة، خاصة حين يتعلق الأمر بصفقات ذات طابع تجميعي، يفترض فيها، من حيث المبدأ، توحيد الرؤية والمعايير بين مختلف المتدخلين.
فالتباين في القرارات داخل نفس الإطار المؤسساتي لا ينعكس فقط على مسار الصفقة، بل قد يمتد أثره إلى كلفة مالية مباشرة تتحملها الخزينة العامة.
كما يسلط هذا الملف الضوء على أهمية التنسيق المؤسساتي في إنجاح البرامج الإصلاحية، حيث لا يرتبط الأمر فقط بالجوانب التقنية للتجهيز، بل كذلك بمدى انسجام القرارات الإدارية وقدرتها على ضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين وتعزيز الثقة في مساطر الصفقات العمومية.
ومن زاوية أوسع، يطرح هذا التطور تساؤلات حول مناخ “الأمن التعاقدي”، ومدى وضوح القواعد المؤطرة للعلاقة بين الإدارة والمتعاملين معها، خاصة بالنسبة للمقاولات التي تستثمر في تلبية دفاتر التحملات وفق المعايير المطلوبة.
ويرى مراقبون أن استمرار الدولة في تحمل تبعات أحكام قضائية ناتجة عن أخطاء إدارية مرتبطة بتقديرات منفردة، يطرح بشكل مباشر سؤال تفعيل المقتضيات القانونية المؤطرة لمسؤولية الموظفين والآمرين بالصرف. فبدون تحديد المسؤوليات بدقة، يظل المال العام هو الحلقة التي تتحمل كلفة هذه الاختلالات، بعيداً عن جوهر الإصلاح الذي تنشده برامج من قبيل “مدارس الريادة”.
وفي هذا السياق، يرى متتبعون أن الحكم القضائي لا يقتصر على كونه تعويضاً لفائدة طرف متضرر، بل يشكل أيضاً مؤشراً نقدياً على بعض جوانب تدبير هذه الصفقات، بما قد يدفع هيئات الرقابة، وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات، إلى التفاعل مع ما يطرحه الملف من تساؤلات مرتبطة بالحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
لا يبدو هذا الحكم مجرد واقعة معزولة، بل يفتح نقاشاً أوسع حول كيفية تدبير الصفقات العمومية داخل البرامج الإصلاحية الكبرى، حيث يظل التحدي الحقيقي هو تحقيق التوازن بين السلطة التقديرية للإدارة وضمان الانسجام المؤسساتي، بما يحمي المال العام ويعزز ثقة الفاعلين في قواعد الشفافية والتنافس.
