بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد الصمت ممكناً أمام مشهد التراجع الذي يطال أحلام آلاف الشباب المغاربة تحت مسمى “المقاولة”.
إن الحديث عن تشجيع المبادرة الفردية في ظل الأرقام الحالية يطرح تساؤلات جوهرية حول فعالية المقاربات المعتمدة، خصوصاً حين تتحول الوعود إلى مسارات محفوفة بالمخاطر الاقتصادية.
فخلف الشعارات المرتبطة ببرامج “انطلاقة” و”فرصة”، تتشكل اليوم صورة مقلقة لنسيج واسع من المقاولات الصغيرة جداً؛ نسيج يجد صعوبة بالغة في الاستقرار داخل بيئة اقتصادية تتسم بالتعقيد وتعدد الاختلالات البنيوية.
الحقيقة التي تعكسها المعطيات المتداولة هي أننا أمام “اقتصاد عبور” يتسم بهشاشة واضحة، حيث تشكل المقاولات الصغيرة جداً 97 في المئة من البنية الإنتاجية، لكنها تواجه تحديات هيكلية في الولوج إلى التمويل والمواكبة القريبة.
فحين تظل نسبة استفادة هذه الفئة من القروض البنكية محدودة جداً، فإن ذلك يضع منظومة التمويل بأكملها أمام مِحك الحقيقة، في وقت تجد فيه آلاف المشاريع نفسها تواجه رياح السوق دون آليات حماية حقيقية تضمن لها البقاء والنمو.
الأرقام هنا تتجاوز لغة التفاؤل؛ فإفلاس ما يقارب 150 ألف مقاولة بين 2022 و2025 ليس مجرد تعثر عابر، بل هو مؤشر على فجوة عميقة بين أهداف برامج الدعم وواقع الاستدامة على الأرض.
إن تعثر نسبة كبيرة من هذه المشاريع في سنواتها الأولى يطرح سؤالاً ملحاً حول مدى نجاعة “جرعات” الدعم المؤقتة في مواجهة أعطاب النموذج التنموي، الذي يبدو وكأنه يواجه صعوبة في استيعاب هذه الكتلة الواسعة من المبادرات الصغرى وإدماجها في الدورة الاقتصادية المنتجة.
المفارقة تكمن في وجود دينامية لافتة في “إحداث” المقاولات، تقابلها تحديات كبرى في الحفاظ عليها.
المقاول الصغير اليوم يجد نفسه محاصراً بين ضغوط التكاليف وآجال الأداء، في وقت يفتقر فيه جزء كبير من هذا النسيج لأدوات التنافسية الحديثة والرقمنة.
هذا الواقع هو ما يدفع قطاعاً واسعاً من النشيطين نحو الهامش أو القطاع غير المهيكل، في محاولة اضطرارية للتكيف مع بيئة اقتصادية يغيب فيها التوازن بين الفئات المقاولاتية الكبرى والصغرى.
إن استمرار هذا النزيف المقاولاتي يضع “النموذج التنموي الجديد” أمام تساؤلات عميقة تتعلق بالعدالة في توزيع الفرص والنمو.
فلا يمكن الحديث عن إقلاع اقتصادي حقيقي بينما القاعدة الأساسية للنسيج الإنتاجي تعاني من هشاشة مزمنة.
الإشكال اليوم ليس تقنياً فحسب، بل هو إشكال رؤية اقتصادية شاملة؛ رؤية يجب أن تضمن أن برامج الدعم ليست مجرد “مسكنات” لتأجيل السقوط، بل هي رافعات حقيقية للبناء والاستمرارية.
لا يمكن قياس نجاح برامج الدعم بعدد الوحدات التي تُخلق، بل بعدد الوحدات التي تنجح في البقاء والمنافسة.
إن إعادة النظر في قواعد اللعبة، من تمويل ومواكبة وحكامة، أصبحت ضرورة ملحة حتى لا يتحول حلم “المقاولة” إلى تجربة محبطة تضرب الثقة في جدوى المبادرة والاستثمار.
فهل تمتلك الجهات الوصية اليوم الجرأة الكافية للاعتراف بحدود هذه البرامج، والانتقال من منطق “التمويل الرقمي” إلى منطق “التمكين البنيوي”؟ أم أننا سنظل نعدّ الخسائر بانتظار موجة إفلاس جديدة تعصف بما تبقى من آمال؟
