بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد إعلان المؤرخ والأكاديمي المعطي منجب دخوله في إضراب عن الطعام مجرد خطوة احتجاجية معزولة في سياق مساره الشخصي، بل تحول إلى لحظة كاشفة تعيد طرح واحد من أكثر الملفات حساسية داخل النقاش العمومي المغربي: حدود مشروعية المنع من السفر، وعلاقته الفعلية بضمانات المحاكمة العادلة في ضوء النصوص القانونية الجاري بها العمل.
القضية، كما قدمها المعني بالأمر في تسجيل مصور من أمام مطار الرباط – سلا، ترتبط بمنعه من مغادرة التراب الوطني اليوم الإثنين 30 مارس 2026، رغم توفره على الوثائق اللازمة، وذلك في سياق دعوة أكاديمية من Université Paris 1 Panthéon-Sorbonne لتأطير مساق علمي.
غير أن هذا المعطى، في حد ذاته، لا يشكل سوى الواجهة.
فخلفه يبرز ملف أعمق بكثير، يتقاطع فيه القانوني بالحقوقي، والمسطرّي بالسياسي في تشابك معقد.
ويؤكد منجب، وفق ما صرّح به، أنه خاضع لمنع مستمر من السفر منذ سنة 2020، وهو إجراء لم يأتِ وحيداً، بل رافقته تدابير حجز طالت ممتلكاته الخاصة، من سيارة ومنزل وحساب بنكي.
وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول الأساس القانوني لاستمرار هذه الإجراءات لسنوات.
وهنا تبرز الإشكالية المركزية المرتبطة بمقتضيات قانون المسطرة الجنائية المغربي، ولا سيما الفصل 160، الذي يؤطر تدابير المراقبة القضائية ويحدد آجالها في شهرين قابلة للتمديد لعدد محدود من المرات، وفق شروط مسطرية دقيقة.
غير أن النقاش لا يتعلق فقط بقراءة النص، بل بكيفية تنزيله.
فبين التأويلات القانونية الممكنة، وحدود السلطة التقديرية الممنوحة للقضاء، يبرز سؤال محوري: هل نحن أمام إجراء قضائي مستمر يستند إلى مساطر قائمة، أم أمام وضعية غير واضحة من الناحية المسطرية تستدعي توضيحاً مؤسساتياً يرفع اللبس حول مدى احترام الآجال والشروط المنصوص عليها قانوناً؟
وفي هذا السياق، يفرض سؤال أكثر حدّة نفسه: كيف يُفسَّر، عملياً، استمرار هذه التدابير خارج الأجل القانوني المحدد؟
إن استمرار هذه الوضعية لسنوات يضعنا أمام مفارقة حقوقية لافتة.
فالحجز على الحساب البنكي والممتلكات، إلى جانب المنع من السفر، لا يُنظر إليه فقط كإجراء احترازي تقني، بل قد يُفضي، في آثاره العملية، إلى ما يشبه تقييداً شاملاً لشروط العيش، بما يطرح تساؤلات حول مدى التوازن بين ضرورة البحث القضائي وضمان الحقوق الأساسية.
وفي توصيف أقرب إلى الواقع الملموس، يجد المعني بالأمر نفسه في ما يمكن اعتباره “سجناً بلا قضبان”: ليس خلف الأسوار، لكنه مقيّد في حركته الجغرافية، ومحدود في نشاطه الأكاديمي، داخل وضعية تمتد زمنياً دون أفق واضح.
ويزداد هذا النقاش تعقيداً عند وضعه في سياق أوسع، حيث تسعى الدولة إلى إبراز دينامية إيجابية في معالجة عدد من الملفات ذات الطابع الحقوقي في السنوات الأخيرة.
وهو ما يخلق مفارقة واضحة حين تستمر بعض الحالات الفردية في إثارة تساؤلات حول انسجام الممارسة مع هذا المسار العام.
في المقابل، يظل غياب معطيات رسمية مفصلة حول الوضعية القانونية الدقيقة للملف عاملاً يزيد من تعقيد الصورة.
إذ إن القضايا ذات الحساسية الحقوقية لا تُقاس فقط بوقائعها، بل أيضاً بكيفية تدبيرها تواصلياً ومؤسساتياً، خاصة في سياق يتطلب وضوحاً أكبر بشأن حدود الإجراء القضائي وضمانات الحقوق الفردية.
ولا يمكن، في هذا السياق، إغفال البعد الأوسع للنقاش المرتبط بمكانة تدابير المنع من السفر داخل المنظومة الجنائية. فهذه الإجراءات، وإن كانت تُصنف ضمن التدابير الاحترازية، فإن استمرارها خارج أفق زمني واضح قد يطرح تساؤلات حول تحولها، في بعض الحالات، إلى ما يشبه أثراً مقيداً للحقوق، خاصة فيما يتعلق بحرية التنقل والعمل الأكاديمي.
كما أن استحضار منجب لمفهوم “العفو الملكي” في تصريحه يفتح زاوية إضافية للنقاش، تتعلق بمدى انسجام بعض التدابير الجارية مع السياق العام الذي طبع بعض الملفات ذات الطابع الحقوقي في السنوات الأخيرة، دون أن يعني ذلك الحسم في طبيعتها القانونية، وهي مسألة تبقى في نطاق التأويل القضائي والمؤسساتي.
لا يبدو أن القضية تقف عند حدود واقعة منع من السفر أو إعلان إضراب عن الطعام، بل تتجاوز ذلك لتتحول إلى اختبار فعلي لقدرة المنظومة القانونية على تحقيق التوازن بين سلطة الإجراء وضمانة الحق.
بين نص القانون وروح تطبيقه، يبرز سؤال مركزي: هل يُحترم الطابع المؤقت لهذه التدابير، أم أنها تتحول، في بعض الحالات، إلى وضعيات تمتد خارج منطق الاستثناء الذي يفترض أن يؤطرها؟
