بقلم: الباز عبدالإله
عادت “اللجنة الوزارية للتتبع”، برئاسة عزيز أخنوش، للاجتماع اليوم، وفي جعبتها نفس الوصفات التقليدية من دعم للغاز والنقل ووعود باليقظة، لكن بعيداً عن بلاغات “التثمين” المعتادة، يبدو أننا أمام سلطة تنفيذية تتقن “فن تأجيل الأزمات” أكثر من امتلاكها شجاعة حلها؛ فنحن لا نعيش سياسة اقتصادية حقيقية، بل نعيش “إدارة بالأزمات” ترهن مستقبل التوازنات المالية مقابل شراء هدوء مؤقت للشارع..
إن هذا الارتهان المزمن للخارج يطرح سؤالاً حارقاً حول جدوى الاختيارات الحالية؛ فالإصرار على دعم غاز البوتان في ظل أسعار عالمية ملتهبة ليس كرماً حاتمياً، بل هو مؤشر يطرح تساؤلات حول نجاعة تنزيل بدائل هيكلية، حيث تضخ الحكومة المليارات في “ثقب أسود” يستفيد منه الغني والفقير، والمصانع والضيعات الكبرى على حد سواء، بينما تتماطل في تفعيل استهداف مباشر حقيقي ينهي هذا الهدر المالي الذي يتحمله دافع الضرائب.
ويتجلى هذا التخبط بوضوح في “الدعم الاستثنائي” لمهنيي النقل، الذي تحول من إجراء ظرفي إلى ما يشبه آلية دعم مفتوحة تتجاوز طابعها الاستثنائي، يمنح دون دفتر تحملات واضح أو أثر ملموس على جودة الخدمة، ليذهب في النهاية لامتصاص غضب اللوبيات النقابية بينما يظل المواطن البسيط يواجه “الزيادات الصامتة” في قفة يومه وحيداً.
من المثير للسخرية أن نتحدث عن لجان تتبع في بلد لا يزال يرهن أمنه الطاقي لتقلبات الجيوسياسة الدولية، فأين هي السيادة الطاقية والمخزون الاستراتيجي الذي وُعدنا به؟ إن التركيز على “توزيع الدعم” هو هروب للأمام من معركة “الإنتاج والتحويل”، حيث تكتفي الحكومة بدور “الصراف الآلي” الذي يوزع التعويضات بدلاً من دور “المهندس” الذي يبني اقتصاداً مقاوماً للصدمات.
فبينما يُسوق للمغرب كمنصة دولية للطاقات المتجددة، يجد المواطن نفسه محاصراً بتبعية طاقية “أحفورية” تلتهم الأخضر واليابس.
إن التباهي بالأرقام الماكرو-اقتصادية لم يعد كافياً لإقناع شارع يرى في “السجل الاجتماعي الموحد” وعداً مؤجلاً، وفي دعم المهنيين آلية دعم لا يصل أثرها إلى قاع القفة.
هذه المقامرة بعامل الوقت، والأمل في انخفاض الأسعار عالمياً للعودة لمربع الراحة، تكشف عن محدودية في القدرة على الاستشراف؛ فكلفة “شراء الوقت” تلتهم ميزانيات الاستثمار وتعمق المديونية وتجعل الاقتصاد الوطني مجرد ريشة في مهب الريح.
في النهاية، الحكومة اليوم لا تقود سفينة الاقتصاد نحو بر الأمان، بل تكتفي بـ”تفريغ الماء” من قاعها لضمان عدم الغرق الفوري، والاستقرار المبني على الدعم المفتوح هو استقرار وهمي ومؤقت، وما لم تتحول هذه الأزمة إلى “صدمة كهربائية” تفرض إصلاحاً جذرياً لمنظومة الطاقة والاستهلاك، فإننا فقط نراكم “ديون الغضب” للأجيال القادمة، ونستمر في استخدام المسكنات حتى يفقد الجسم قدرته على الاستجابة، وتظل قفة المغاربة تحت رحمة أحداث تقع وراء البحار.
