بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد استقالة مدير المركز الاستشفائي الزموري بالقنيطرة مجرد “إجراء إداري” روتيني يمكن إدراجه ضمن حركية المسؤولين، بل هي تطور لافت أعاد طرح تساؤلات عميقة حول كواليس تدبير قطاع الصحة ببلادنا.
أن يغادر مسؤول بهذا الحجم منصبه بعد تحفظه على التأشير على بعض الصفقات، يفتح نقاشاً عميقاً حول طبيعة القرارات التي تُتخذ داخل هذه المؤسسات، وحول مدى احترام المساطر المعتمدة في تدبير المال العام.
كشفت مصادر مهنية أن المعطيات المتداولة لا تتحدث هنا عن “خطأ في التقدير” أو خلاف بسيط، بل تشير إلى توترات مهنية مرتبطة بملفات صفقات داخل مؤسسة صحية حديثة العهد، كان من المفترض أن تكون واجهة للإصلاح. رفض المدير التوقيع، تزامناً مع حلول قضاة المجلس الجهوي للحسابات، يضعنا أمام تساؤلات مشروعة: هل كان الأمر يتعلق باختلاف في التقدير الإداري؟ أم بوجود تحفظات تقنية وقانونية مرتبطة بمساطر هذه الصفقات؟ وهل كانت الاستقالة خياراً أخلاقياً لتفادي تحمل مسؤولية قرارات مثار جدل؟
إن دخول قضاة الحسابات على الخط في هذا التوقيت بالذات ليس مجرد زيارة تفتيش عادية، بل هو مسار تدقيق مؤسساتي لملفات ظلت محط نقاش، وهو ما يضع شعار “ربط المسؤولية بالمحاسبة” في اختبار فعلي أمام الرأي العام. فالرأي العام لا ينتظر فقط تقارير تقنية جافة، بل يتطلع إلى توضيح المعطيات المرتبطة بتدبير هذه الصفقات، خاصة حين يتعلق الأمر بتجهيزات وخدمات ذات أثر مباشر على جودة العلاج وصحة المواطنين.
هذا الموقف الذي اتخذه المدير المستقيل وجد صدى واسعاً لدى عدد من الأطر الصحية، التي عبرت من خلال وقفات احتجاجية عن تضامنها، ورفعت مطالب بفتح تحقيق شفاف وتوفير بيئة عمل تضمن وضوح مساطر اتخاذ القرار بعيداً عن أي ضغوطات.
هذه التحركات لا يمكن قراءتها فقط من زاوية التضامن الشخصي، بل أيضاً كمؤشر على الحاجة الملحة لتعزيز الثقة داخل منظومة التدبير الصحي وحماية المرفق العام.
إن ما يقع خلف جدران المكاتب من شد وجذب حول الصفقات، تظهر آثاره مباشرة في قاعات الانتظار وغرف العمليات؛ فكل درهم يُساء تدبيره هو في الأصل حق مشروع للمواطن في علاج كريم وتجهيزات تليق بانتظاراته.
من هنا، لا يعود النقاش تقنياً محضاً، بل يصبح مرتبطاً بجوهر الخدمة الصحية وجودتها وبأخلاقيات المرفق العمومي.
إن الجرأة تقتضي منا اليوم أن نسأل بوضوح: من يحكم المستشفيات فعلياً؟ هل هم المديرون المعينون وفق المساطر القانونية، أم أن هناك عوامل غير واضحة قد تؤثر في مسار اتخاذ القرار داخل بعض المؤسسات؟ وتطرح هذه الواقعة أيضاً سؤالاً موازياً: من يحمي المسؤول الإداري حين يختار التمسك بتقديره المهني النزيه؟ هل تكفي الاستقالة كآلية للتعبير عن الرفض، أم أن المنظومة تحتاج إلى تعزيز آليات تضمن استقلالية القرار الإداري داخل المؤسسات الصحية؟
وفي سياق أوسع، تأتي هذه التطورات في لحظة تراهن فيها الدولة على إصلاح عميق للقطاع الصحي، خاصة في إطار تعميم التغطية الصحية الشاملة.
غير أن تحقيق هذا الطموح الوطني يظل رهيناً بمدى ترسيخ حكامة شفافة في تدبير الموارد والصفقات، بما يضمن أن تنعكس الاستثمارات العمومية الضخمة على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين لا على حسابات مصالح متداخلة.
نحن أمام ملف يطرح أسئلة حقيقية حول الحكامة داخل القطاع الصحي.
فإما أن تساهم نتائج الافتحاص في توضيح الصورة وترسيخ مبادئ الشفافية، وإما أن تستمر حالة الغموض التي تغذي التساؤلات لدى الرأي العام. الكرة الآن في ملعب القضاء المالي، الذي يبقى الجهة الدستورية الوحيدة المخول لها تحديد المسؤوليات بناءً على معطيات دقيقة وموثقة، بعيداً عن منطق الانطباعات.
