بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد الأسئلة الكتابية داخل البرلمان المغربي مجرد آلية دستورية عادية لمساءلة الحكومة، بل تحوّلت، في كثير من الحالات، إلى “واجهة رقابية ناعمة” تُستعمل بكثافة في الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، أكثر مما تُفعَّل داخل عمق المؤسسة التشريعية وبنيتها الصلبة.
فمع كل موجة غلاء في الأسعار، أو بروز ملف قطاعي مثير للجدل، تتوالى الأسئلة المكتوبة بوتيرة لافتة توحي بنشاط رقابي محتدم، لكن أثرها العملي على مسار القرار العمومي يظل محدوداً للغاية، وهو ما يفتح نقاشاً أوسع حول طبيعة الرقابة البرلمانية الراهنة، وحدود فعاليتها في مواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى.
إن عدداً من الملفات ذات الحساسية العالية، وعلى رأسها سوق المحروقات، أصبحت تُدار سياسياً داخل منطق “التفاعل السريع” عبر السؤال الكتابي كآلية لتصريف الضغط السياسي، بدل الانتقال إلى آليات رقابية أعمق وأكثر تأثيراً، مثل لجان تقصي الحقائق أو المهام الاستطلاعية الموسعة التي يمنحها الدستور للنواب.
هذا التحول لا يعكس فقط اختياراً تقنياً، بل يطرح سؤالاً جوهرياً حول التوازن بين الجرأة السياسية المطلوبة، وكلفة فتح الملفات الثقيلة داخل مؤسسة محكومة بتوازنات دقيقة.
في الحالة الأخيرة المرتبطة بارتفاع أسعار المحروقات، برزت مفارقة لافتة تستوجب التوقف؛ فبينما تحدثت المعطيات الرسمية عن توفر مخزون وطني مريح يتجاوز ثلاثين يوماً، انتقلت زيادات الأسعار إلى محطات الوقود بشكل شبه فوري، وفي توقيت متزامن أثار تساؤلات حول طبيعة المنافسة داخل السوق، ومدى احترام قواعد الحكامة.
هذه المفارقة لم تُقابل، إلى حدود الساعة، بمبادرات رقابية مؤسساتية قوية توازي حجم التأثير على القدرة الشرائية، بل تمت ترجمتها في شكل سلسلة مكثفة من الأسئلة الكتابية، تعيد طرح الإشكال دون أن تنقله إلى مستوى التحقيق البرلماني المعمق.
إن الفرق بين السؤال الكتابي ولجنة تقصي الحقائق لا يكمن فقط في الشكل، بل في الأثر؛ فالسؤال، مهما بلغت دقته، يظل رهين جواب حكومي قد يأتي مقتضباً أو متأخراً، بينما تملك لجان التقصي صلاحيات أوسع في الاستماع وجمع المعطيات وبناء خلاصات قد تُحرج الفاعلين، وتعيد ترتيب أولويات النقاش العمومي. ومع ذلك، يظل تفعيل هذه الآلية نادراً، بفعل تعقيد المساطر، وكلفة المواجهة السياسية داخل منطق الأغلبية.
في هذا السياق، يطرح متتبعون فرضية وجود “تحول هادئ” في وظيفة البرلمان المغربي؛ من رقابة مؤسساتية ثقيلة ذات أثر ملموس، إلى رقابة مرنة قابلة للتداول الإعلامي السريع، تحقق حضوراً سياسياً لحظياً، دون أن تُحدث بالضرورة تغييراً في موازين القرار، وهو ما قد يحوّل الرقابة من أداة لتصحيح السياسات، إلى مجرد آلية لمواكبتها دون مساءلة حقيقية.
غير أن هذا النقاش لا يمكن اختزاله في أداء النواب فقط، بل يرتبط ببنية أوسع تحكم العمل البرلماني، حيث إن إطلاق لجان التقصي يصطدم غالباً بتوازنات سياسية دقيقة، وهو ما يجعل المبادرات الرقابية تتوقف عند سقف السؤال الكتابي، باعتباره الخيار الأقل كلفة، والأكثر قابلية للتصريف السياسي السريع.
لا يبدو الإشكال في غياب أدوات الرقابة، بقدر ما يكمن في كيفية استعمالها؛ فبين نص دستوري يمنح البرلمان وسائل قوية للمساءلة، وممارسة تميل إلى تفعيل الأدوات الأخف،
وهنا يبرز السؤال الحاسم: هل نحن أمام برلمان يكتفي بإدارة “الضجيج” حول الأزمات… أم يمتلك فعلاً القدرة على تغيير نتائجها؟
فالرقابة التي لا تملك أسناناً، تظل مجرد صرخة في وادٍ سحيق.
