عاد مشروع قانون مهنة المحاماة إلى واجهة الجدل البرلماني، بعد موافقة الحكومة على الصيغة المعدلة داخل لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، بخصوص شروط ولوج أساتذة التعليم العالي المتخصصين في القانون إلى مهنة المحاماة.
وحسب ما أوردته جريدة “العمق”، فإن الصيغة المحينة تمنح أساتذة القانون مساراً خاصاً، يعفيهم من الحصول على شهادة الكفاءة لمزاولة مهنة المحاماة، كما يعفيهم من التمرين العادي المنصوص عليه في المادة 11، مقابل قضاء سنة واحدة فقط داخل مكتب محام يعينه النقيب.
ويشترط للاستفادة من هذا الإعفاء أن يكون المعني بالأمر قد راكم تجربة تدريس فعلية لا تقل عن ثماني سنوات بعد الترسيم، داخل إحدى كليات أو معاهد التعليم العالي في القانون، وأن يكون قد أحيل على التقاعد أو قدم استقالته، شريطة ألا تكون المغادرة مرتبطة بأسباب تأديبية.
غير أن اللافت في الصيغة الجديدة هو إسقاط شرط السن المحدد سابقاً في 55 سنة، وهو ما اعتبر تخفيفاً إضافياً لفائدة هذه الفئة، وفتحاً أوسع لباب الولوج إلى مهنة ظلت شروطها موضوع نقاش حاد بين منطق الكفاءة ومنطق تكافؤ الفرص.
في الظاهر، يبدو التعديل محاولة للاستفادة من خبرة أساتذة القانون، باعتبارهم راكموا معرفة أكاديمية وتجربة في تكوين أجيال من القانونيين. لكن في العمق، يطرح السؤال نفسه بقوة: هل يكفي التدريس الجامعي لولوج مهنة تقوم على الاحتكاك اليومي بالمحاكم والملفات والموكلين والمساطر؟.
النقاش لا يتعلق فقط بفئة مهنية بعينها، بل بصورة العدالة في الولوج إلى المحاماة. فبينما يمر آلاف الشباب عبر المباراة وشهادة الكفاءة والتمرين الكامل، تفتح الصيغة الجديدة ممراً مخففاً لفئة أخرى، وهو ما قد يعمق الإحساس بأن باب المهنة لا يفتح للجميع بنفس المفاتيح.
وقد اقترحت بعض الفرق البرلمانية توسيع هذا الإعفاء ليشمل فئات جامعية وقضائية أخرى، بدعوى إدماج الخبرات القانونية داخل منظومة العدالة. في المقابل، دعت المجموعة النيابية للعدالة والتنمية إلى حذف المادة المنظمة للاستثناءات أو إعادة صياغتها بما يفرض إخضاع جميع المترشحين لنفس المسار، تكريساً لمبدأ المساواة.
أما النائبة فاطمة التامني، فاختارت التركيز على جانب التنافي، مطالبة بتشديد شروط الانتقال إلى المهنة، عبر اشتراط الاستقالة المقبولة أو الإحالة على التقاعد، وفرض خبرة كافية تمنع تحول المحاماة إلى امتداد لمسارات إدارية أو مهنية سابقة.
بهذا المعنى، لا يبدو الجدل حول مشروع قانون المحاماة نقاشاً تقنياً فقط، بل اختباراً حقيقياً لفلسفة الولوج إلى مهنة الدفاع.
فالمحاماة تحتاج إلى الكفاءة، لكنها تحتاج أيضاً إلى قواعد واضحة وعادلة، لأن المهنة التي تدافع عن المساواة أمام القضاء لا ينبغي أن يتحول باب الدخول إليها إلى استثناءات متتالية باسم الخبرة.
