بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد قرار تأجيل محاكمة النقيب السابق محمد زيان إلى غاية 4 أبريل المقبل مجرد إجراء مسطري عادي يدخل ضمن إيقاع الزمن القضائي، بل تحول إلى لحظة كاشفة تعيد طرح نقاش أعمق حول حدود التداخل بين منطق العقوبة ومنطق المسطرة، في سياق قضية تتداخل فيها مراحل الحكم والتنفيذ وإعادة النظر.
فقرار التأجيل من أجل استكمال المناقشة يأتي في ملف لم يعد بسيطاً من حيث بنيته القانونية بعدما قبلت محكمة النقض الطعن الذي تقدم به الدفاع، وهو ما فتح الباب أمام إعادة المحاكمة من جديد بعد مسار قضائي انتهى بإدانة سابقة، لكن المعطى الأكثر إثارة للانتباه لا يرتبط فقط بإعادة المحاكمة، بل بالوضعية القانونية الموازية التي يعيشها المعني بالأمر، حيث كان قد أنهى بالفعل عقوبة سالبة للحرية مدتها ثلاث سنوات في ملف آخر بتاريخ 21 نونبر الماضي، وهو التاريخ الذي كان يُنتظر أن يشكل نهاية مساره السجني، قبل أن يتحول إلى محطة انتقالية داخل مسار قضائي لم يُغلق بعد.
في هذا السياق، يصبح استمرار الاعتقال الاحتياطي على ذمة القضية المعاد النظر فيها بمثابة نقطة تقاطع بين منطقين: منطق تنفيذ العقوبة الذي يفترض الانتهاء بانقضاء مدتها، ومنطق إعادة المحاكمة الذي يعيد فتح الملف من جديد دون أن يمحو أثر ما سبقه بالكامل.
وهي وضعية تطرح، بهدوء، تساؤلات قانونية دقيقة حول حدود الاعتقال الاحتياطي في مرحلة ما بعد قبول الطعن بالنقض، ومدى انسجامه مع فلسفة هذه الآلية التي وُجدت أساساً كضمانة لإعادة تقييم الأحكام لا لإطالة الأثر الزجري لها.
هذا التداخل بين المساطر يعكس تعقيداً بنيوياً في بعض الملفات التي تعرف تعدد المتابعات وتداخل الأزمنة القضائية، حيث لا ينتهي مسار حتى يبدأ آخر، مما يجعل الحرية الفردية في بعض الحالات رهينة لتراكم الملفات أكثر من ارتباطها بملف واحد محدد، وهو ما يفتح الباب للنقاش حول كيفية تدبير الزمن القضائي في القضايا المركبة.
ولا يقف النقاش هنا عند حدود حالة فردية، بل يمتد ليطرح سؤالاً أوسع حول كيفية الحفاظ على التوازن بين فعالية المتابعة القضائية وضمان ألا يتحول المسار الإجرائي إلى عبء زمني مفتوح، خاصة حين تتحول إعادة المحاكمة من ضمانة قانونية إلى مرحلة جديدة داخل مسار ممتد تتداخل فيه مفاهيم “العقوبة” و”الإجراء” و”الاحتياط”.
في النهاية، يبدو أن ملف زيان، في صيغته الحالية، لم يعد مجرد قضية جنائية تُناقش أمام القضاء، بل أصبح نموذجاً يختبر، بشكل غير مباشر، قدرة المنظومة القضائية على تحقيق التوازن بين حق المجتمع في المتابعة، وحق الفرد في وضوح المسار القانوني الذي يخضع له، دون أن يتحول هذا المسار إلى زمن مفتوح بلا أفق محدد، في انتظار ما ستسفر عنه جلسة 4 أبريل.
