بقلم: الباز عبدالإله
لطالما تغنّى الخطاب الرسمي بالتقدم الذي حققه المغرب على مستوى الترسانة القانونية المرتبطة بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، غير أن الدراسة التي قُدمت بمدينة سلا يوم 31 مارس 2026 تعيد طرح هذا الملف بواقعية أكبر. فالمعطيات المسجلة لا تعكس فقط إكراهات مرتبطة بالإمكانيات، بل تشير إلى اختلال بنيوي في تمثل جزء من الإدارة لهذا الورش، حيث لا يزال يُقارب أحياناً بمنطق الإحسان بدل منطق الاستحقاق المرتبط بالمواطنة الكاملة.
إن تسجيل كون 74% من الإدارات تفتقر لإطار تنظيمي مكتوب يؤطر ولوج الأشخاص في وضعية إعاقة، لا يمكن اعتباره مجرد مؤشر تقني، بل يعكس غياب توحيد الممارسات داخل المرفق العمومي.
ففي ظل هذا الفراغ، يصبح هذا الحق خاضعاً لتقديرات إدارية فردية غير مؤطرة، تختلف من إدارة إلى أخرى، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى استقرار هذا الحق في غياب قواعد واضحة وملزمة.
وفي مثل هذا السياق، يتحول الحق، بشكل غير مباشر، من التزام قانوني إلى ممارسة مرتبطة بتقدير إداري، بما يعيد طرح النقاش حول حدود الانتقال من منطق “الحق” إلى منطق “الإحسان” داخل الفضاء الإداري.
هذا الإشكال يتجلى بوضوح في ما يمكن تسميته بـ “فخ الطابق الأرضي”، حيث تلجأ نسبة مهمة من الإدارات، تصل إلى 81%، إلى استقبال المرتفقين في وضعية إعاقة عند المدخل أو في الطابق السفلي كحل بديل.
ورغم أن هذه الإجراءات تُقدَّم باعتبارها تسهيلات عملية، فإنها تعكس في العمق محدودية قدرة المرفق الإداري على استيعاب جميع المرتفقين داخل فضائه الطبيعي، بما يضمن لهم نفس شروط الولوج والتفاعل مع مختلف المصالح، بدل الاقتصار على حلول جزئية تظل مرتبطة بالظروف.
كما يطرح هذا الوضع إشكال تمثل مفهوم “الولوجيات”، الذي غالباً ما يتم اختزاله في تهيئة المداخل، في حين أن الإعاقة تتجاوز بعدها الحركي لتشمل جوانب تواصلية ورقمية.
فغياب تجهيزات ملائمة، مثل لغة الإشارة أو أدوات “برايل”، إلى جانب محدودية الولوج الرقميالذي لا يتجاوز 47.5%
يعكس أن جزءاً من هذه الجهود يظل جزئياً.
وفي هذا الإطار، تبدو بعض مبادرات التهيئة أقرب إلى تدخلات جزئية أو ذات طابع تجميلي، لا ترقى دائماً إلى مستوى مقاربة شمولية تستجيب لمختلف الحاجيات.
وفي السياق ذاته، تطرح محدودية ولوج هذه الفئة إلى الخدمات الرقمية تساؤلات حول شمولية التحول الرقمي، خاصة مع تسجيل صعوبات لدى بعض الإدارات في تمكين الأشخاص في وضعية إعاقة من استعمال هذه الخدمات بشكل ملائم، مما قد يجعل الرقمنة، في بعض الحالات، عاملاً إضافياً للتعقيد بدل أن تكون رافعة للإدماج.
أما على مستوى الإدماج المهني، فرغم تسجيل حضور لهذه الفئة داخل عدد من الإدارات بنسبة 47.6%، فإن هذا المعطى يظل دون مستوى الطموح، خصوصاً في ظل الحاجة إلى بيئة عمل مهيأة بشكل متكامل تتيح استثمار القدرات بشكل فعلي.
وأمام هذه المعطيات، يبرز تساؤل جوهري حول حدود أدوار المؤسسات المعنية بهذا الملف، ومدى انتقالها من مرحلة التشخيص إلى مرحلة التفعيل.
فإرساء إدماج فعلي ومستدام لا يمر فقط عبر إنتاج الدراسات وتقديم المؤشرات، بل يتطلب أيضاً آليات واضحة للتتبع والتقييم، تضمن احترام المعايير المعتمدة، وتكرّس الولوج إلى المرفق العمومي كحق ثابت لا يرتبط بتقدير إداري متغير.
