بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن البيان الصادر عن المجلس الوطني لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، عقب دورته السابعة المنعقدة بالرباط، مجرد موقف سياسي ظرفي، بل بدا كوثيقة مكثفة تعكس توتراً أعمق في قراءة جزء من المعارضة لمسار التدبير العمومي بالمغرب، خصوصاً في تقاطعه مع قضايا الحريات، والعدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد، في لحظة سياسية تتسم بتزايد الفجوة بين الخطاب الإصلاحي والانتظارات المجتمعية.
البيان، الذي رُفع تحت شعار “لا ديمقراطية مع القمع ولا وطنية بدون محاربة الفساد”، يعيد ترتيب أولويات النقاش السياسي من زاوية نقدية أكثر حدة، حيث لا يتم تقديم الديمقراطية كمجرد آلية انتخابية أو تناوب مؤسساتي، بل كمنظومة متكاملة لا تستقيم دون ضمان فعلي للحقوق والحريات وربط صارم للمسؤولية بالمحاسبة. وهو طرح يضع، بشكل غير مباشر، مسافة نقدية بين خطاب رسمي يؤكد على دينامية الإصلاح، وبين تقييم سياسي يرى أن الممارسة لا تزال تعاني من اختلالات بنيوية تُضعف أثر هذه الإصلاحات على أرض الواقع.
في قراءته للوضع الداخلي، يرسم البيان ملامح واقع سياسي واجتماعي يتسم، حسب تعبيره، بتداخل النفوذ الاقتصادي مع القرار السياسي، بما يطرح، في العمق، سؤالاً حساساً حول حدود الفصل بين من يصنع القرار ومن يستفيد منه اقتصادياً.
هذا التداخل، كما يقدمه الخطاب الحزبي، لا ينعكس فقط على شفافية التدبير العمومي، بل يمتد ليؤثر على تكافؤ الفرص داخل الحقل الاقتصادي، في ظل ما يُوصف باستمرار مظاهر الإفلات من العقاب وضعف تفعيل آليات المحاسبة في بعض الملفات المرتبطة بالمال العام.
ولا يقف البيان عند حدود التشخيص المؤسساتي، بل ينتقل إلى البعد الاجتماعي، حيث ينتقد ما يعتبره تراجعاً في القدرة الشرائية وارتفاعاً في كلفة المعيشة، معتبراً أن السياسات العمومية، رغم ما تحققه من توازنات ماكرو-اقتصادية، لم تنجح بعد في ترجمة ذلك إلى أثر اجتماعي ملموس.
وهو طرح يعيد إلى الواجهة أحد الإشكالات الكلاسيكية في النموذج التنموي: كيف يمكن تحويل النمو إلى عدالة، والمؤشرات إلى إحساس فعلي بالإنصاف داخل المجتمع.
في المقابل، يثير البيان ملف الحريات العامة من خلال الإشارة إلى ما يعتبره تضييقاً على حرية التعبير واستهدافاً لبعض الفاعلين السياسيين والإعلاميين، في ملف يظل مفتوحاً على قراءات متعددة؛ بين من يراه مؤشراً على اختلالات حقيقية في مناخ الحريات، ومن يعتبره تطبيقاً لمساطر قانونية داخل سياق سياسي معقد، وهو ما يعكس طبيعة الجدل القائم حول حدود الحرية وضوابطها داخل المجال العمومي.
وعلى المستوى الدولي، يوسّع الحزب زاوية تحليله لتشمل القضايا الجيوسياسية، خاصة ما يتعلق بالحرب على فلسطين والتوترات الإقليمية، في محاولة لربط مواقفه الداخلية بسياق عالمي أوسع، يعيد طرح أسئلة العدالة الدولية وتوازن القوى. ورغم أن هذا الامتداد يندرج ضمن تقاليد الخطاب اليساري، إلا أنه يكتسب هنا بعداً سياسياً مرتبطاً بإعادة تموقع الحزب داخل مشهد إقليمي ودولي متغير.
أما في شق المطالب، فيقدم البيان حزمة من الدعوات التي تتراوح بين إطلاق سراح معتقلين على خلفية قضايا سياسية واجتماعية، وتعزيز آليات محاربة الفساد، وحماية القدرة الشرائية، ومراجعة السياسات الاقتصادية بما يحد من الاحتكار ويعزز العدالة في توزيع الثروة.
وهي مطالب تعكس محاولة لبناء خطاب بديل يسعى إلى الجمع بين البعد الحقوقي والاجتماعي والسياسي، في أفق تقديم تصور مختلف لتدبير الشأن العام.
غير أن أهمية هذا البيان لا تكمن فقط في مضمونه، بل أيضاً في توقيته ودلالاته السياسية. فالإشارة الصريحة إلى محطة 2026 باعتبارها “استحقاقاً سياسياً” توحي بأن الخطاب المعارض بدأ ينتقل تدريجياً من مرحلة التشخيص إلى مرحلة التموضع، في سياق يُنتظر أن تتزايد فيه المنافسة حول القضايا الاجتماعية والاقتصادية، أكثر من الشعارات التقليدية.
لا يقدم بيان فيدرالية اليسار الديمقراطي أجوبة جاهزة بقدر ما يعيد فتح أسئلة مؤجلة داخل المشهد السياسي المغربي: إلى أي حد يمكن تحقيق توازن فعلي بين الاستقرار والإصلاح؟ وهل تستطيع السياسات العمومية تحويل النمو الاقتصادي إلى عدالة اجتماعية محسوسة؟ ثم، وهو السؤال الأعمق، هل يمكن استعادة الثقة في الفعل السياسي دون إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمساءلة؟
أسئلة لم تعد حبيسة بيانات الأحزاب، بل أصبحت جزءاً من مزاج عام يتشكل بصمت، حيث لم يعد النقاش حول الديمقراطية مرتبطاً بالشعارات، بقدر ما أصبح رهيناً بقدرتها على إنتاج أثر ملموس في حياة المواطنين.
