بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد الصمت “المؤسساتي” الذي ينهجه مجلس المنافسة في مذكراته الأخيرة مجرد تعبير عن الوقار التنظيمي، بل بدأ يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة هذه المؤسسة الدستورية على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها سوق المحروقات بالمغرب.
فالمذكرة الصادرة عن المجلس بخصوص النصف الأول من مارس 2026، وإن حملت معطيات رقمية دقيقة، فإنها في العمق تعكس توتراً واضحاً بين تشخيص الاختلالات وحدود التدخل لتقويمها.
فعندما يتحدث المجلس بنبرة تقنية عن “عدم تماثل” في انتقال الأسعار الدولية إلى السوق الوطنية، فهو لا يكتفي بوصف ظاهرة عابرة، بل يسلط الضوء على مفارقة لافتة: تراجع نسبي في انعكاس انخفاضات السوق الدولية على أسعار بعض المواد، مقابل سرعة أكبر في انتقال الارتفاعات إلى المستهلك.
وهي معادلة تطرح، بهدوء، سؤالاً حول آليات التسعير المعتمدة، ومدى انسجامها مع منطق المنافسة السليمة.
المجلس، في هذا السياق، يقف في منطقة دقيقة بين دوره في الرصد والتحليل، وبين صلاحياته في التقييم والتقويم.
فالمعطيات الواردة في هذه المذكرة ناقص 0.89 درهم للغازوال مقابل زائد 0.17 درهم للبنزين لا تكتفي بوصف الفوارق، بل تفتح نقاشاً أوسع حول أسباب هذا التفاوت، وما إذا كان يعكس اختلافاً طبيعياً في دينامية السوق، أم مؤشرات على سلوكات تسعيرية متقاربة تستدعي مزيداً من التدقيق.
وفي ظل هذه المعطيات، يجد المستهلك نفسه أمام مفارقة يصعب تجاهلها: لماذا لا تنعكس التراجعات الدولية بنفس السرعة التي تنتقل بها الزيادات؟ وهل يتعلق الأمر فقط بإكراهات تقنية مرتبطة بسلاسل التوريد، أم بأنماط اشتغال السوق تفرز هوامش زمنية أو سعرية غير متوازنة؟
إن التوتر بين الوظيفة الاستشارية والوظيفة الزجرية للمجلس لم يعد مجرد نقاش نظري، بل أصبح عنصراً محورياً في تقييم فعالية هذه المؤسسة.
فالاكتفاء بفتح مشاورات أو التفكير في تطوير آليات مثل الجدولة الزمنية لتعديل الأسعار، يعكس وعياً بالإشكال، لكنه يطرح في المقابل سؤال النجاعة: إلى أي حد يمكن لهذه المقاربات أن تضمن توازناً فعلياً بين حرية السوق وحماية المستهلك؟
ذلك أن سوق المحروقات لا يتعلق بسلعة عادية، بل بقطاع يؤثر بشكل مباشر على كلفة المعيشة، والنقل، وأسعار مختلف السلع والخدمات.
وهو ما يجعل أي تفاوت في انعكاس الأسعار قضية تتجاوز البعد التقني، لتلامس صميم التوازنات الاجتماعية والاقتصادية.
إن ما ينقص تقارير المجلس اليوم ليس الدقة الرقمية، بل الجرأة التفسيرية. فتقديم الأرقام دون ربطها بسياقها يضع المؤسسة في موقع (محاسب) يرصد المؤشرات، بينما ينتظر الرأي العام دوراً أقرب إلى (قاضٍ) يوضح منطق الممارسات داخل السوق.
إن الاكتفاء بوصف (عدم التماثل) دون تفكيك أسبابه وخلفياته يترك فراغاً تفسيرياً مفتوحاً، قد تغذّيه التأويلات ويؤثر، بشكل غير مباشر، على صورة المؤسسة نفسها.
في هذا السياق، يبدو أن المجلس يقف أمام لحظة مؤسساتية دقيقة: إما الاستمرار في لعب دور المرصد الذي يضيء الاختلالات دون الانخراط في معالجتها بشكل مباشر، أو الانتقال نحو تفعيل أكثر وضوحاً لصلاحياته في التحليل المعمق وإبداء الرأي المدعّم بمؤشرات تفسيرية دقيقة، بما يعزز شفافية السوق ويعيد الثقة في قواعدها.
الرهان اليوم لم يعد فقط في تتبع تحركات الأسعار، بل في فهم منطق انتقالها، وضمان أن يتم ذلك ضمن قواعد واضحة ومتوازنة.
لأن السؤال الذي يفرض نفسه بهدوء، لم يعد متى ترتفع الأسعار أو تنخفض، بل كيف تنتقل هذه التحولات… وهل يتم ذلك في اتجاه يعكس فعلاً روح المنافسة، أم في سياق يطرح أكثر من علامة استفهام حول توازناتها.
