بقلم: الباز عبدالإله
تتجه العلاقة بين الحكومة والمركزيات النقابية نحو مستوى متقدم من التوتر، حيث لم يعد الخطاب النقابي يكتفي بالتنبيه والتحذير، بل انتقل إلى نبرة أكثر حدّة في تقييم الأداء الحكومي، خاصة في ما يتعلق بملفات الحوار الاجتماعي والقدرة الشرائية.
هذا التصعيد، الذي يقوده الاتحاد المغربي للشغل، يضع السلم الاجتماعي أمام اختبار حقيقي، ويعكس محدودية أثر التوافقات السابقة في مواجهة تحولات اقتصادية تضغط بشكل متزايد على فئات واسعة من الأجراء.
وفي هذا السياق، قال الميلودي مخاريق، الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل، في تصريح لجريدة “العمق”، إن الحكومة لم تلتزم بعقد جولة شتنبر من الحوار الاجتماعي، رغم الاتفاق المسبق حولها مع الشركاء الاجتماعيين، معتبراً أن هذا التأخر يثير تساؤلات حول مدى الالتزام بمؤسسة الحوار كآلية لتدبير القضايا الاجتماعية الكبرى.
كما أشار إلى أن مصير جولة أبريل يظل بدوره غير محسوم، في ظل غياب مؤشرات واضحة على استئناف هذا المسار بشكل منتظم.
ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة، بالنظر إلى أن الحوار الاجتماعي يشكل الإطار المؤسساتي الرئيسي لتدبير ملفات حساسة، من بينها التقاعد والأجور. غير أن استمرار التعثر في عقد جولاته الدورية يعمق منسوب التوتر، ويدفع نحو انتقال النقاش من منطق التفاوض إلى منطق الضغط العلني.
وفي ما يتعلق بملف التقاعد، يبرز اختلاف في مقاربة الإصلاح بين الحكومة والفاعلين النقابيين؛ إذ تؤكد السلطة التنفيذية وجود تحديات مرتبطة بتوازنات الصناديق، وتدعو إلى إجراءات إصلاحية قد تشمل تمديد سن الإحالة على التقاعد.
غير أن هذا التوجه يثير تساؤلات لدى فئات من الأجراء، الذين يرون فيه مطالبة غير مباشرة بالتضحية بسنوات إضافية من أعمارهم المهنية.
وفي المقابل، يشدد الفاعل النقابي على أن النقاش داخل اللجنة التقنية أظهر، حسب تعبيره، غياب مؤشرات حادة على أزمة سيولة أو اختلالات ديموغرافية وشيكة، مقابل تسجيل ملاحظات تتعلق بالحكامة وتدبير مدخرات المنخرطين، وهو ما يعيد توجيه النقاش نحو كيفية تدبير الموارد المتاحة.
أما في ما يتعلق بالقدرة الشرائية، فقد أعاد الاتحاد المغربي للشغل الربط بين تصاعد أسعار المحروقات ومطلب الزيادة في الأجور، معتبراً أن استمرار الضغط الضريبي دون إجراءات تخفيفية يفاقم العبء على الأجراء.
كما دعا إلى مراجعة بعض المقتضيات الجبائية، بما يحقق توازناً أكبر بين متطلبات المالية العمومية وحماية الفئات المتوسطة.
وفي هذا السياق، يرى متتبعون أن تدبير هذه الملفات يعكس مقاربة تقوم على تدبير الزمن الاجتماعي والسياسي، من خلال تأجيل الحسم في بعض القضايا الحساسة المرتبطة بالتقاعد والأجور، وهو ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت الحكومة تسعى إلى احتواء الكلفة الاجتماعية لهذه الملفات في المدى القريب، أو إلى ترحيل جزء من تداعياتها إلى المرحلة المقبلة.
غير أن هذا التصعيد النقابي يثير، في المقابل، تساؤلات حول توقيته، خاصة مع اقتراب محطة فاتح ماي، التي تشكل تقليدياً لحظة مركزية في التعبير النقابي.
كما يأتي في سياق سياسي يتسم بقرب نهاية الولاية الحكومية، وهو ما يضفي على الخطاب الحالي بعداً يتجاوز المطالب الاجتماعية إلى رهانات مرتبطة بإعادة ترتيب مواقع الفاعلين داخل المشهد.
وفي هذا السياق، لا يبدو التوتر القائم مجرد اختلاف ظرفي، بل يعكس صراعاً متصاعداً حول توازنات “السلم الاجتماعي” في الأمتار الأخيرة من الولاية الحكومية، حيث تتقاطع رهانات الاستقرار مع حسابات سياسية دقيقة.
في هذا الإطار، تبدو العلاقة بين الحكومة والنقابات أمام معادلة معقدة؛ فبينما تحتاج السلطة التنفيذية إلى الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار الاجتماعي، تسعى النقابات إلى استعادة موقعها التمثيلي وتعزيز حضورها الميداني.
وهو توازن دقيق قد يدفع الطرفين إلى اختبار حدود كل منهما، في ما يشبه “لعبة عض الأصابع” التي لا تُحسم بسرعة، بل بمنطق النفس الطويل.
وفي المحصلة، تبقى جولة أبريل المنتظرة إن انعقدت محطة حاسمة لقياس اتجاه هذه العلاقة: إما نحو استعادة منطق التوافق، أو نحو استمرار التوتر الاجتماعي في مستويات قد تعيد رسم ملامح الحوار بين مختلف الفاعلين في المرحلة المقبلة.
