بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد ارتفاع أسعار البصل ووصول الشحنات الهولندية إلى الأسواق المغربية مجرد تفصيل تقني في الميزان التجاري، بل تحول إلى مؤشر دال يعيد طرح سؤال أعمق حول توازنات النموذج الفلاحي.
فأن يستورد المغرب مادة أساسية لا تخلو منها أي “كاميلة”، يفتح نقاشاً حول حدود السيادة الغذائية في ظل تغلّب منطق التصدير على جزء مهم من السياسات القطاعية.
المفارقة هنا لا ترتبط فقط بندرة ظرفية في الإنتاج، بقدر ما تعكس اختلالاً في توجيه الاستثمارات الفلاحية، حيث تم التركيز خلال السنوات الأخيرة على سلاسل ذات قيمة مضافة عالية موجهة نحو الأسواق الخارجية، مقابل هشاشة نسبية في تأمين بعض المنتجات الأساسية المرتبطة بالاستهلاك اليومي.
وهو توجه ساهم في تعزيز موقع المغرب ضمن سلاسل التصدير العالمية، لكنه يطرح، في المقابل، تساؤلات حول مدى توازنه مع حاجيات السوق الداخلية.
هذا التباين يصبح أكثر وضوحاً مع تكرار سيناريو الغلاء واللجوء إلى الاستيراد تحت تأثير العوامل المناخية.
فبينما يُعد الجفاف عاملاً حقيقياً، فإن محدودية آليات التخزين، وضعف تنظيم سلاسل التوزيع، وغياب مؤشرات دقيقة حول المخزون، كلها عناصر تزيد من حدة التقلبات وتُضعف قدرة السوق على امتصاص الصدمات.
ولا يقف هذا الخلل عند حدود الإنتاج، بل يمتد إلى “متاهات” التوزيع؛ حيث يجد الفلاح الصغير نفسه بين كلفة مدخلات مرتفعة وتقلبات السوق، في مقابل أدوار متزايدة لوسطاء يتحكمون في مسارات التسويق وهوامش الربح. هذا الوضع يعكس حاجة ملحّة إلى آليات أكثر صرامة وشفافية لضبط السلسلة من الحقل إلى المائدة، بما يضمن توازناً أفضل بين المنتج والمستهلك.
وتكتمل المفارقة حين يُطرح سؤال الماء ضمن هذا النقاش؛ فبين ضغط متزايد على الموارد المائية، وتوسع بعض الزراعات الموجهة للتصدير ذات الاستهلاك المرتفع للمياه، يبرز تساؤل حول كيفية توجيه هذا المورد الحيوي بين متطلبات السوق الخارجية وحاجيات الأمن الغذائي الداخلي.
وهي معادلة دقيقة تجعل من تدبير الماء جزءاً لا يتجزأ من أي تقييم حقيقي لنجاعة السياسات الفلاحية.
في هذا السياق، يبدو “البصل الهولندي” أكثر من مجرد منتج مستورد، بل إشارة إلى مفارقة بنيوية داخل النموذج الفلاحي: أداء تصديري متقدم يقابله ضغط متكرر على أسعار بعض المواد الأساسية. وهو ما يعيد النقاش إلى جوهره: هل يكفي الأداء التصديري كمؤشر للنجاح، أم أن قوة أي نموذج فلاحي تُقاس أيضاً بقدرته على ضمان استقرار “المطبخ اليومي” للمواطن؟
إن الرهان المطروح اليوم لا يتعلق فقط بزيادة الإنتاج، بل بإعادة بناء توازن دقيق بين منطق السوق الدولية ومتطلبات الأمن الغذائي الوطني، بما يضمن استقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية.
فبدون هذا التوازن، سيظل اللجوء إلى الاستيراد حلاً متكرراً لسد فجوات كان من الممكن تدبيرها ضمن رؤية أكثر تكاملاً.
وسط هذه المفارقة، يطفو سؤال لا يمكن تجاهله: إذا كانت الأرقام تعكس تحسناً في مؤشرات التصدير، فإلى أي حد ينعكس ذلك على استقرار القفة اليومية للمواطن؟ وهل يكفي “الأداء الأخضر” في الصادرات ليترجم بالضرورة إلى “رفاه غذائي” داخلي متوازن؟
