بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد المذكرة المطلبية التي رفعتها التنسيقية الوطنية لموظفات وموظفي وزارة الاقتصاد والمالية مجرد تعبير نقابي عابر، بل تحوّلت إلى مؤشر يعكس توتراً مهنياً داخل أحد أكثر القطاعات حساسية في تدبير القرار العمومي. فالأمر لا يرتبط فقط بمنظومة الأجور والعلاوات، بل يمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بمنطق الإنصاف داخل جهاز يشكل العمود الفقري للمالية العمومية.
الواقع يكشف أن الإشكال لم يعد محصوراً في تفاصيل تقنية، بل يرتبط بطريقة توزيع التعويضات داخل القطاع، حيث يستمر التفاوت بين المديريات، من الضرائب إلى الخزينة والجمارك وباقي المصالح المركزية، في تكريس ما يشبه “إدارة بسرعات متعددة”.
هذا التعدد في الأنظمة التحفيزية لا يعكس فقط فروقات تنظيمية، بل يخلق نوعاً من “الفيدراليات الإدارية” داخل نفس الوزارة، حيث تتشكل ديناميات غير متكافئة تُضعف الإحساس بوحدة الجهاز وتماسكه.
في هذا السياق، يبرز الرأسمال البشري داخل وزارة المالية كعنصر يتجاوز الوظيفة التنفيذية الصرفة، باعتباره فاعلاً مؤتمناً على تدبير الموارد العمومية وحماية التوازنات المالية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي خلل في منظومة الإنصاف لا يظل مجرد إشكال مهني، بل يطرح، بشكل غير مباشر، تحديات مرتبطة بجودة الأداء واستمرارية النجاعة داخل منظومة التحصيل والتدبير المالي.
وتتضاعف أهمية هذا النقاش في ظل الرهانات المرتبطة بتنزيل “الدولة الاجتماعية”، حيث تبرز مفارقة لافتة: جهاز مكلف بترسيخ العدالة الجبائية خارجياً، يواجه نقاشاً داخلياً حول توازن منظومة التعويضات.
وهي مفارقة تطرح، بهدوء، سؤال الانسجام بين الخطاب والممارسة، دون أن تمسّ بالاختيارات المؤسساتية الكبرى.
كما أن تأخر تنزيل مخرجات اتفاق فبراير 2024 لم يعد يُقرأ فقط كإكراه زمني، بل كاختبار فعلي لمدى احترام الالتزامات التعاقدية داخل الإدارة، وما يرتبط بها من انتظارات مهنية مشروعة.
وهو ما يعيد طرح مسألة الزمن الإداري، ليس فقط من زاوية التدبير، بل من زاوية الثقة.
أما النقاش المرتبط بـ“تجزئة العلاوات” مقابل “وحدة العلاوة”، فيعكس اختلافاً في تصور فلسفة التحفيز، بين من يدعو إلى وضوح واستقرار أكبر، ومن يفضل مقاربة أكثر تجزيئاً، بما يطرح تساؤلات حول أثر كل نموذج على الإحساس العام بالإنصاف.
وفي مستوى آخر، يعيد تفاوت التعويضات بين مختلف الفئات، بما في ذلك الفوارق المرتبطة بمواقع المسؤولية، طرح نقاش كلاسيكي حول حدود التوازن داخل الوظيفة العمومية، بين منطق التحفيز وضرورة الحفاظ على شعور جماعي بالعدالة المهنية.
كما أن استمرار التفاوتات داخل منظومة التعويضات لا يظل محصوراً في بعده المهني، بل يفتح نقاشاً أوسع حول ما يمكن تسميته بـ“المخاطر المرتبطة بالإنصاف الوظيفي” داخل القطاعات الحساسة.
فالموظف الذي يشتغل في تدبير الموارد العمومية والتدفقات المالية، ويشعر في الآن ذاته بغياب توازن في منظومة التحفيز، قد يتأثر مستوى انخراطه في المنظومة الرقابية بشكل غير مباشر، وهو ما يجعل الاستثمار في العدالة الأجرية جزءاً من الاستثمار في نزاهة المرفق نفسه.
وفي السياق ذاته، يطرح هذا الوضع تحدياً آخر يتعلق بالحفاظ على الكفاءات، حيث يصبح القطاع معرضاً لما يشبه “نزيفاً صامتاً” نحو مؤسسات أخرى، سواء داخل القطاع الخاص أو على المستوى الدولي، بما قد يؤدي تدريجياً إلى فقدان خبرات راكمتها الإدارة عبر سنوات من التكوين.
وهو ما يحوّل المرفق العمومي، بشكل غير مقصود، إلى فضاء لتأهيل الموارد البشرية لفائدة جهات أخرى.
من جهة أخرى، يرتبط النقاش حول “وحدة العلاوة” بأبعاد تتجاوز البعد المالي، ليشمل مسألة الانسجام الوظيفي بين مختلف المديريات. فنجاعة التنسيق بين الضرائب والجمارك والخزينة تظل رهينة بإحساس مشترك بالانتماء والتكافؤ، في حين أن استمرار الفوارق قد يخلق، بشكل غير مباشر، تباينات في منسوب التحفيز، بما قد يؤثر على روح التكامل التي يفترض أن تميز هذا الجهاز.
لا يبدو أن هذا الملف يندرج فقط ضمن المطالب المهنية، بل يطرح سؤالاً أعمق حول قدرة الإدارة على تحقيق انسجام داخلي يعكس خطابها الخارجي.
فنجاح أي إصلاح مالي لا يرتبط فقط بالنصوص أو التوازنات المحاسباتية، بل أيضاً بمدى استقرار العنصر البشري، وثقته في القواعد التي تؤطر مساره داخل المرفق العمومي.
