بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد الحديث عن تراجع القدرة الشرائية للمغاربة مجرد تفاعل ظرفي داخل الفضاء الرقمي، بل أضحى عنواناً مركزياً في النقاش العمومي، يتقاطع فيه الاقتصادي بالسياسي والاجتماعي.
وفي هذا السياق، يبرز التصعيد الأخير لنقابة الاتحاد المغربي للشغل، بمطالب واسعة ومركبة، ليطرح تساؤلاً مشروعاً: هل نحن أمام يقظة نقابية متأخرة، أم أمام إعادة تموقع محسوبة في لحظة سياسية دقيقة تسبق استحقاقات 2026؟
المفارقة أن جزءاً مهماً من هذه المطالب من قبيل الدعوة إلى قانون مالي تعديلي، أو التسقيف المرحلي للأسعار، أو مراجعة بعض الضرائب يرتبط بنقاشات مطروحة منذ سنوات، تزامنت مع تحولات اقتصادية عميقة عرفها المغرب، خاصة منذ موجة الغلاء التي بدأت تتصاعد تدريجياً منذ 2022 بفعل عوامل داخلية وخارجية.
غير أن إعادة تجميع هذه المطالب في هذا التوقيت تحديداً يمنحها بعداً يتجاوز الطابع الاجتماعي، ليقترب من منطق التأثير في مسار النقاش العمومي.
غير أن هذا التصعيد، في بعده الأعمق، يمكن قراءته أيضاً كإشارة ضمنية إلى تحولات يعرفها الحقل الاجتماعي نفسه.
فالنقابة، التي ظلت لعقود الفاعل المركزي في تأطير الاحتجاج، تجد نفسها اليوم أمام منافسة غير تقليدية من طرف تنسيقيات فئوية واحتجاجات رقمية استطاعت، في عدد من الملفات، أن تفرض نفسها خارج الإطار النقابي الكلاسيكي.
وفي هذا السياق، قد يُفهم رفع سقف الخطاب النقابي كجزء من محاولة استعادة المبادرة وإعادة تثبيت موقعها داخل مشهد اجتماعي يعرف إعادة تشكيل مستمرة.
في المقابل، تستمر الحكومة في تبني خطاب يربط تطور الأسعار بسياقات دولية معقدة، مثل تقلبات أسواق الطاقة والمواد الأولية، إضافة إلى إكراهات مناخية وهيكلية.
غير أن هذا الخطاب، رغم وجاهته في بعض جوانبه، يصطدم بما يمكن تسميته بـ”فجوة الإدراك”، حيث تشير المؤشرات الرسمية إلى تباطؤ نسبي في معدل التضخم، بينما يظل الإحساس العام للمواطن مرتبطاً باستقرار الأسعار في مستويات مرتفعة.
هذا التباين بين “الرقم الإحصائي” و”القفة اليومية” يمنح الخطاب النقابي قدراً من المشروعية، ويغذي حالة عدم الثقة في التفسير الرسمي.
وبين هذين الخطابين، يبرز تحدٍ حقيقي يتعلق بمدى قدرة كل طرف على تقديم حلول متكاملة.
فبعض المقترحات، مثل التخفيضات الضريبية الواسعة أو التدخل المباشر في تسقيف الأسعار، تطرح بدورها أسئلة دقيقة حول كلفتها المالية، وانعكاساتها على توازن الميزانية واستقرار السوق.
فالسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: من سيتحمل كلفة هذه الإجراءات؟ وهل نحن أمام إعادة توزيع للأعباء أم أمام تأجيل لها عبر أدوات مالية أخرى، كارتفاع المديونية أو إعادة توجيه النفقات؟
في خلفية هذا التفاعل، تبرز أيضاً رهانات تشريعية لا تقل حساسية، خاصة ما يتعلق بقانون الإضراب وإصلاح أنظمة التقاعد.
إذ يمكن قراءة هذا التصعيد كجزء من دينامية تفاوضية أوسع، يتم فيها رفع سقف المطالب الاجتماعية لتحسين شروط النقاش حول هذه الملفات.
وهي مقاربة معروفة في تدبير العلاقات المهنية، حيث تسعى الأطراف إلى تحقيق توازنات تضمن لكل طرف هامشاً من المكاسب أو على الأقل مخرجاً مقبولاً أمام قواعده.
ولا يمكن فصل هذا كله عن الأفق السياسي لسنة 2026، حيث يتقاطع التقييم المرحلي للحصيلة الحكومية مع ذاكرة انتخابية لا تزال تستحضر شعارات “الدولة الاجتماعية” ودعم الطبقة الوسطى. هذا التباين بين الوعود والواقع يشكل بدوره مدخلاً لخطاب نقدي متصاعد، تسعى من خلاله النقابات إلى إبراز اختلالات قائمة، في مقابل سعي الحكومة إلى الدفاع عن توازناتها وخياراتها الاقتصادية.
المشهد الحالي يتجاوز كونه مواجهة ظرفية، ليعكس إعادة تشكل توازنات دقيقة، حيث تتداخل الحسابات الاجتماعية بالرهانات السياسية والاقتصادية.
وبين سعي النقابات إلى استعادة موقعها كفاعل مركزي، ومحاولة الحكومة الحفاظ على استقرار المؤشرات، يظل المواطن في قلب هذه المعادلة، باعتباره المتأثر الأول بأي تأخر في إنتاج حلول متوازنة.
في انتظار جواب مؤجل عن سؤال بسيط في ظاهره، معقد في عمقه: من يملك فعلاً القدرة على تخفيف كلفة العيش، ومن يكتفي بإدارة كلفتها سياسياً؟
