بقلم: الباز عبدالإله
لا يأتي الخبر هذه المرة من ورش بناء، ولا من صفقة تجهيز، ولا من صورة جديدة لملعب ينتظر أضواء العالم.
يأتي من المكسيك، حيث استقبلت وزارة النساء في الحكومة المكسيكية وفداً رسمياً مغربياً، للاطلاع على نموذجها المؤسساتي في الوقاية من العنف ضد النساء والفتيات خلال التظاهرات الرياضية الكبرى.
وحسب بلاغ رسمي صادر عن وزارة النساء المكسيكية، تقاسمت المكسيك مع الوفد المغربي تجربتها المرتبطة بحماية النساء والفتيات في سياق الأحداث الرياضية الكبرى، خاصة مع استعدادها لاحتضان جزء من كأس العالم 2026، واستعداد المغرب، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، لتنظيم مونديال 2030.
في الظاهر، يبدو الأمر لقاءً تقنياً عادياً، يدخل في باب تبادل الخبرات بين المؤسسات، لكن القراءة الأعمق تقول إن الأمر أكبر من ذلك.
فالمونديال لا يُنظَّم بالملاعب وحدها، ولا تكفي فيه المدرجات الواسعة، والطرق المعبدة، والمطارات الموسعة، والصور اللامعة.
الحدث العالمي يحتاج أيضاً إلى مدينة آمنة، ونقل منظم، وفضاء عام مطمئن، ومحيط رياضي قادر على استقبال النساء والعائلات والجماهير القادمة من ثقافات متعددة.
هنا تظهر أهمية هذا الخبر الهادئ، فالمغرب يستعد لمونديال 2030 كأحد أكبر المواعيد الرياضية في تاريخه الحديث، وهذا الاستعداد لا يمكن أن يبقى محصوراً في البنية التحتية الصلبة.
فالامتحان الحقيقي لا يقع فقط داخل الملعب، بل يبدأ من الطريق المؤدية إليه، في محطة القطار، في الحافلة، في الشارع، في محيط الملعب، في مناطق المشجعين، وفي كل نقطة يلتقي فيها المواطن بالزائر، والتنظيم بالحياة اليومية.
التجربة المكسيكية، كما عرضتها السلطات هناك، تقوم على مقاربة تتجاوز الشعار العام، حيث يجري الحديث عن تكوين موظفين عموميين، وبروتوكولات للوقاية، وتدابير مرتبطة بالنقل والفضاءات الرياضية، وإدماج مقاربة النوع في تدبير الحشود واستقبال الجماهير.
وهذه التفاصيل، التي قد تبدو صغيرة، هي بالضبط ما يصنع الفرق بين تنظيم جميل في الصور وتنظيم ناضج في الواقع.
فالمدينة الآمنة لا تُبنى بالقرارات وحدها، بل تحتاج إلى بشر مؤهلين، ومسارات واضحة، وتدبير يومي دقيق، لأن الجمهور لا يعيش المونديال داخل الملعب فقط، بل يعيشه في الطريق، والنقل، والشارع، والفندق، والمقهى، ومحيط الفضاءات الرياضية.
لكن هذه الزاوية تفتح باباً آخر لا يقل أهمية، فمونديال 2030 لا ينبغي أن يكون ورش إسمنت فقط، بل ورش كفاءات أيضاً.
كل ملعب يحتاج إلى محيط منظم، وكل مدينة مستضيفة تحتاج إلى شباب مدرّب، وكل جمهور دولي يحتاج إلى استقبال احترافي، بلغات متعددة، وسلوك مهني، وقدرة على التوجيه والمساعدة وتدبير اللحظات الصعبة بهدوء ومسؤولية.
ومن هنا، يمكن لهذا الحدث العالمي أن يتحول إلى فرصة حقيقية لخلق مناصب شغل للشباب، ليس فقط في البناء والفندقة والمطاعم، بل أيضاً في التنظيم، والاستقبال، والإرشاد، والنقل، والأمن الخاص، والوساطة الثقافية، والترجمة، وتدبير الحشود، والخدمات المرتبطة بالمناطق السياحية والرياضية.
المغرب لا يحتاج فقط إلى ملاعب جاهزة سنة 2030، بل يحتاج أيضاً إلى شباب جاهز، يتقن اللغات، يعرف قواعد السلامة، يفهم ثقافة الاستقبال، يساهم في تنظيم الفضاء العام، ويمنح الزائر صورة بلد لا يكتفي بالبناء، بل يحسن التدبير.
هنا يصبح السؤال سياسياً واجتماعياً بامتياز، هل سيُترك الشباب في المدرجات يتفرج على فرصة تمر أمامه، أم سيتم إدماجه مبكراً في برنامج وطني للتكوين والتشغيل المرتبط بمونديال 2030؟
هذه ليست تفاصيل ثانوية، بل هي قلب التنظيم الحديث، لأن العالم الذي سيأتي إلى المغرب سنة 2030 لن يرى الملعب وحده، بل سيرى المدينة بكامل تفاصيلها، كيف تتحرك، كيف تستقبل، كيف تنظم، كيف تحمي، وكيف تمنح شبابها مكاناً داخل الحدث بدل أن تتركه خارجه.
اللافت في استقبال المكسيك لوفد مغربي رسمي أن المغرب لا ينتظر اللحظة الأخيرة، بل يذهب إلى تجربة دولية تستعد بدورها للمونديال، ويبحث في زاوية دقيقة ترتبط بحماية النساء والفتيات.
وهذا مؤشر إيجابي، لأنه يفتح الباب أمام نقاش أكثر جدية حول المعنى الكامل للاستعداد.
غير أن المؤشر الإيجابي يحتاج إلى ترجمة واضحة، فالخبر لا ينبغي أن يبقى في حدود زيارة وفد أو صورة بروتوكولية أو عبارة دبلوماسية.
المطلوب أن يتحول إلى سياسات عملية، وبرامج تكوين، وتدابير قابلة للقياس، ومسارات واضحة لإدماج الشباب في اقتصاد المونديال قبل أن يأتي الموعد الكبير وتُغلق الأبواب تحت عنوان ضيق الوقت.
مونديال 2030 سيكون مناسبة كبرى للمغرب، لكن قيمته لن تُقاس فقط بعدد المقاعد، ولا بسرعة إنجاز الأشغال، ولا بجمالية الواجهات.
قيمته الحقيقية ستظهر حين يشعر المواطن والزائر، والمرأة والعائلة، أن الفضاء العام جزء من التنظيم، لا هامش خارجه.
وستظهر أيضاً حين يشعر الشباب أن هذا الحدث لم يمر فوق رؤوسهم كعرض عالمي كبير، بل فتح لهم باباً نحو التكوين، والشغل، والخبرة.
الملاعب تصنع الصورة.
لكن الثقة تصنعها المدينة الآمنة.
والفرصة يصنعها القرار الذي يرى في الشباب جزءاً من التنظيم، لا مجرد جمهور يصفق من بعيد.
