بقلم: الحيداوي عبد الفتاح
من المفارقات الكبرى التي رافقت الضغوط الدولية والإقليمية على جماعة جماعة الإخوان المسلمين حالة الصمت الواسع داخل المجالين الإسلامي والحقوقي.
فعدد كبير من الحركات الإسلامية، والمؤسسات الدعوية، وحتى الهيئات الحقوقية العربية، لم يخض نقاشا فكريا وأخلاقيا عميقا حول ما تتعرض له أقدم حركة إسلامية منظمة في العصر الحديث، رغم أن القضية تتجاوز تنظيما بعينه إلى أسئلة أوسع تتعلق بالحريات السياسية وحدود الشرعية وحق المشاركة في المجال العام.
ولا يمكن تفسير هذا الصمت بالخوف من القمع فقط، رغم أهميته، بل يرتبط أيضا بتحولات بنيوية عرفها المجال الإسلامي بعد أحداث ما سمي بـ(الحرب على الإرهاب) ثم بعد تحولات ما بعد الربيع العربي.
فقد أدت التجارب القاسية التي عاشتها الحركات الإسلامية، خاصة بعد سقوط تجربة عزل محمد مرسي، إلى انتقال جزء كبير منها من خطابالتغيير إلى خطاب البقاء، أي التركيز على حماية التنظيمات من التفكك والاستئصال بدل خوض معارك فكرية وسياسية مفتوحة.
كما أن تصاعد المقاربة الأمنية دوليا وإقليميا جعل أي تقاطع فكري أو عاطفي مع الإخوان ينظر إليه باعتباره مصدر شبهة سياسية أو أمنية.
وهكذا فضلت حركات إسلامية عديدة الانكفاء أو الحياد، بينما ذهبت بعض القوى إلى تبني خطاب نقدي حاد تجاه الجماعة، ليس بالضرورة انطلاقا من مراجعات فكرية عميقة، بل أحيانا بدافع التكيف مع البيئة السياسية الجديدة وتجنب الصدام مع الدولة أو مع التحولات الدولية في تعريف الاعتدال والتطرف.
ويكشف هذا الوضع أيضا عن أزمة داخلية في الفكر الإسلامي المعاصر نفسه، فالكثير من الحركات الإسلامية لم تطور تصورا متماسكا للدفاع عن التعددية السياسية وحقوق الخصوم الأيديولوجيين، بل ظل خطابها الحقوقي مرتبطا غالبا بموقعها السياسي: يتوسع حين تكون ضحية للسلطة، وينكمش حين يتعلق الأمر بخصومها أو بمراجعة أخطائها الذاتية. لذلك بدا التضامن الحقوقي داخل المجال الإسلامي هشا وانتقائيا، تحكمه الحسابات السياسية أكثر مما تحكمه المبادئ الكونية للحريات.
أما المؤسسات الحقوقية العربية، فقد ظهر جزء مهم منها في حالة ارتباك واضحة فمن جهة، كانت هذه المؤسسات تتبنى نظريا مبادئ حرية التنظيم والتعبير والمحاكمة العادلة، لكن من جهة أخرى تجنبت في حالات كثيرة الدخول في مواجهة مباشرة مع الرواية الرسمية التي تربط الإسلام السياسي بالعنف والتطرف.
ويعود ذلك إلى عدة عوامل، منها الضغوط السياسية، وهيمنة المقاربة الأمنية بعد تصاعد العمليات الجهادية، إضافة إلى تخوف بعض النخب الحقوقية من أن يؤدي الدفاع عن الإسلاميين إلى فقدان الشرعية الدولية أو الظهور بمظهر المتساهل مع التطرف.
غير أن هذا الموقف أفرز مفارقة حقوقية عميقة إذ جرى في كثير من الأحيان التمييز بين الفاعلين السياسيين على أساس مرجعيتهم الأيديولوجية، بدل الاحتكام إلى المعايير القانونية المجردة.
فالمعايير الحقوقية الكلاسيكية تقوم على التفريق بين العمل السياسي المدني وبين التنظيمات المسلحة، وعلى حماية الحق في التنظيم والمشاركة السياسية مهما كانت الخلفية الفكرية، ما دام النشاط يتم داخل المجال السلمي.
لكن في سياق الاستقطاب الإقليمي والدولي، جرى أحيانا توسيع مفهوم التهديد الأمني ليشمل تيارات سياسية واجتماعية كاملة، وهو ما أدى إلى تاكل جزء من الخطاب الحقوقي نفسه.
إن هذا المأزق لا يتعلق فقط بجماعة الإخوان، بل يكشف أزمة أعمق في علاقة الدولة العربية والمجتمع الدولي والإسلاميين والنخب الحقوقية بمفهوم التعددية السياسية.
فالسؤال الحقيقي لم يعد متعلقا بقبول أو رفض الإخوان كتنظيم، بل بحدود قبول الإسلام السياسي كفاعل مدني داخل المجال العام، وبقدرة الأنظمة والنخب على التمييز بين المعارضة السياسية والعنف المسلح.
ولذلك فإن استمرار المقاربة الأمنية وحدها قد يدفع إلى مزيد من الانغلاق السياسي، ويعقد إمكانيات الإدماج الديمقراطي والاستقرار على المدى البعيد.
واخيرا إن مأزق الإخوان اليوم لا يتعلق فقط بأزمة تنظيمية، بل هو أزمة مرحلة تاريخية كاملة عاش فيها الإسلام السياسي صعوده ثم انكساره . السؤال الأهم لا يتعلق بمصير الإخوان فقط، بل بمستقبل العلاقة بين الدولة العربية والإسلام السياسي والمجال العام كله .
إن إغلاق المجال السياسي أمام الحركات الإسلامية المعتدلة لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار طويل المدى، كما أن شيطنة كل أشكال التدين السياسي قد تدفع قطاعات من الشباب نحو العدمية أو التطرف أو الانسحاب الكامل من الحياة العامة .
وقد أظهرت تجارب عديدة أن احتواء التيارات الإسلامية المدنية داخل المجال السياسي كان أحيانا عاملا في تقليص جاذبية التنظيمات الأكثر تطرفا، لأن الشباب يجدون مسارات تعبير سلمية ومؤسساتية بدل الانزلاق إلى السرية والعنف .
