بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد النقاش حول القوانين الانتخابية في المغرب مجرد تمرين تقني لضبط صناديق الاقتراع، بل أضحى مرتبطاً بشكل متزايد برهانات التأثير في الفضاء الرقمي.
إن مشروع المرسوم الجديد الذي تقدمت به وزارة الداخلية لتنظيم تمويل الحملات الرقمية لا يمثل فقط تحييناً للنصوص، بل يعكس انتقال جزء مهم من التفاعل السياسي من الفضاءات التقليدية إلى منصات رقمية عابرة للحدود، حيث تتداخل آليات التواصل مع تقنيات الاستهداف.
إن تحديد سقف 5 ملايين درهم للحملات الرقمية يبدو في ظاهره خطوة نحو الحد من التفاوت في الإمكانيات المالية بين الأحزاب، غير أن فعاليته تبقى مرتبطة بطبيعة هذا الفضاء.
ففي البيئة الرقمية، لا تُقاس القوة فقط بحجم الإنفاق، بل كذلك بمدى توظيف المعطيات الرقمية، وجودة المحتوى، والقدرة على الوصول إلى فئات محددة من الناخبين.
وهو ما يطرح تساؤلات حول إمكانية بروز أشكال جديدة من التأثير غير المباشر، عبر فاعلين رقميين أو محتوى يصعب إدراجه ضمن النفقات المصرح بها.
وهنا تبرز المعضلة الحقيقية؛ فالمعركة الانتخابية تنتقل اليوم من الساحات التقليدية إلى “سيرفرات” المنصات العالمية، حيث يحاول المشرع ملاحقة “أرنب التكنولوجيا” السريع بـ “سلحفاة التشريع”.
ورغم هذه الخطوة التنظيمية التي تحصر التمويل في القنوات البنكية الرسمية، وتقنن لأول مرة استخدام الذكاء الاصطناعي، إلا أن الإشكال يظل كامناً في “سلطة الخوارزمية” والمناطق الرمادية التي يتحرك فيها فاعلون رقميون ضمن شبكات تفاعل واسعة.
فالمعركة القادمة لن تُحسم فقط بحجم الإنفاق، بل بامتلاك “البيانات الضخمة” والقدرة على التأثير في توجهات الناخبين عبر الفضاء الرقمي، بعيداً عن أعين الرقابة الكلاسيكية التي قد تواجه صعوبات في مواكبة سرعة الانتشار الرقمي وتطور أدوات إنتاج المحتوى.
كما أن إدراج الوسائل الرقمية، بما فيها التطبيقات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، ضمن الإطار القانوني يشكل خطوة مهمة نحو مواكبة التحولات التكنولوجية، لكنه يفتح في المقابل نقاشاً حول حدود هذا الاستعمال.
فالتطور المتسارع لتقنيات إنتاج المحتوى، بما في ذلك الصور والفيديوهات المعدلة رقمياً، يفرض تحديات متزايدة على آليات التتبع والرصد، خاصة في ما يتعلق بالتمييز بين التعبير الحر والمحتوى الموجه.
وفي هذا السياق، يظل ترتيب المحتوى وانتشاره خاضعاً لمنطق التفاعل الرقمي القائم على خوارزميات الترتيب، وهو ما قد يدفع بعض الفاعلين السياسيين إلى تبني أساليب تواصل أكثر إثارة أو تبسيطاً لضمان الوصول الأوسع، أحياناً خارج القيود المرتبطة بسقف التمويل.
هذا النوع من التفاعل يثير تساؤلات جوهرية حول كيفية إدراج “الولاءات الرقمية” ضمن آليات التتبع، في ظل صعوبة التمييز بين التعبير الشخصي الصادق والمحتوى ذي الأثر الترويجي.
وتكتسي هذه التحولات أهمية خاصة في سياق تتنامى فيه رهانات الثقة في العملية الانتخابية، حيث يصبح تنظيم الفضاء الرقمي جزءاً من ضمان شروط تنافس متكافئ.
وهو ما يضع الفاعل العمومي أمام تحدي تطوير آليات تنظيمية وتقنية متكاملة، تتجاوز المقاربة القانونية الصرفة نحو بناء منظومة يقظة رقمية.
وبين منطق الضبط القانوني وتسارع الواقع الرقمي، تبدو العملية الانتخابية مقبلة على مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة معايير التأثير بشكل غير مسبوق، حيث لم يعد التنافس يقتصر على البرامج والخطابات، بل يمتد إلى القدرة على فهم ديناميات الفضاء الرقمي والتفاعل معها بفعالية.
يندرج هذا المشروع ضمن مسار أوسع لتحديث المنظومة الانتخابية المغربية.
ويبقى التحدي المطروح هو تحقيق توازن دقيق بين حرية التعبير، وضمان نزاهة التنافس، والحفاظ على مصداقية العملية الانتخابية، في سياق باتت فيه أدوات التأثير أكثر تعقيداً وتداخلاً من أي وقت مضى.
