بقلم: الباز عبدالإله
خرجت كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، زكية الدريوش، أمس الجمعة بالدار البيضاء، بـ «بشرى» جديدة للمغاربة، معتبرة أن الأسماك المجمدة هي «الرافعة الاستراتيجية» لضبط الأسعار وحماية القدرة الشرائية، وذلك خلال ندوة نُظمت تحت شعار «ثماني سنوات من مبادرة الحوت بثمن معقول: الحصيلة والآفاق».
لكن، خلف لغة الأرقام الرنانة والاحتفاء بهذا المسار، تطرح تساؤلات حارقة تفكك هذا الخطاب الذي يبدو في ظاهره «رحمة» وفي باطنه تكريساً لعجز السياسات العمومية عن ضبط توازنات السوق.
إن اعتراف الوزارة، في الندوة، بأن الحل يكمن في «التجميد» هو اعتراف ضمني بفشل السياسات الموجهة لتنظيم أسواق السمك الطري؛ فكيف يعقل لبلد يمتلك واجهتين بحريتين وأزيد من 3500 كيلومتر من السواحل، أن يصبح «إنجازه» هو توفير سمك مجمد في نقاط بيع محددة؟ وأين تذهب الثروة السمكية الطرية «فائقة الجودة»؟ تشير معطيات مهنية إلى أن جزءاً مهماً من هذا الإنتاج يُوجَّه نحو التصدير وتعزيز مداخيل العملة الصعبة، بينما يُطلب من المستهلك المحلي التكيف مع عرض بديل يعتمد على منتجات مخزنة وموجهة للتوزيع المؤطر.
وتتحدث السيدة كاتبة الدولة عن انتقال المبادرة إلى 50 مدينة سنة 2026، مع توفير 1100 نقطة بيع، وتسويق أزيد من 6844 طناً من الأسماك، وتوفير أكثر من 20 نوعاً خلال النسخة الأخيرة، لكنها تتناسى أن هذه الأرقام، على أهميتها، تظل محدودة داخل سوق وطني يضم ملايين المستهلكين.
وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل الهدف هو خلق «طوابير» موسمية في رمضان، أم بناء منظومة تسويق عادلة تضمن وصول السمك الطري للمدن الداخلية طيلة السنة؟ إن حصر الحل في «المجمد» يكرس نمطاً استهلاكياً محدود الخيارات للمواطن البسيط، ويفتح الباب للتساؤل حول من يحدد هذه الأثمنة، وهل تخضع لرقابة كافية، أم أنها تتأثر ببنية سوق معقدة تتحكم فيها شبكات الوساطة وسلاسل التوزيع.
كما أعلنت كتابة الدولة عن إطلاق دراسة لإحداث شبكة وطنية لبيع الأسماك المجمدة على مدار السنة، في خطوة تُقدَّم كحل مستقبلي، لكنها تطرح تساؤلات حول ما إذا كنا أمام إصلاح بنيوي حقيقي أم مجرد توسيع لبديل ظرفي داخل نفس المنظومة التي تعاني أصلاً من أعطاب هيكلية.
ولا يمكن لهذا الخطاب أن يكتمل دون مواجهته بواقع «فيتامين الفقراء»؛ فكيف تتحدث التقارير عن «توازن الأسعار» بينما وصل ثمن السردين الطري إلى عتبة 30 درهماً وما فوق؟ إنها مفارقة صادمة في بلد يُعد من كبار منتجي السردين عالمياً، ومع ذلك يضطر مواطنه لشرائه بأسعار مرتفعة.
فبينما يُوجَّه جزء من السردين نحو وحدات التصبير والتصدير، يُطلب من المغاربة التكيف مع «السمك المجمد» كبديل، في ظل سوق يعرف تقلبات حادة وتدخلاً محدوداً لضبط مسارات التوزيع.
إن وصول السردين إلى هذه المستويات السعرية يعكس اختلالات واضحة في «سلسلة القيمة» داخل قطاع الصيد البحري. فرغم الحديث عن نجاح المبادرات، يظل النقاش قائماً حول وضعية أسواق الجملة وتعدد الوسطاء الذين يرفعون السعر النهائي على حساب المستهلك.
إن استعادة الثقة لا تمر عبر مبادرات ظرفية فقط، بل عبر إصلاحات تهم شفافية السوق، وتقليص حلقات الوساطة، وضمان ولوج عادل للمنتجات البحرية.
يا سادة، الجوع لا يُجمد.. والكرامة الغذائية تبدأ من سمك طري بثمن في متناول المياوم البسيط، لا بوعود «مجمّدة» تعيد تدوير نفس الإشكالات تحت مسميات براقة!
