بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد النقاش حول النزاهة في تدبير الشأن العام مرتبطاً بوجود القوانين والمؤسسات فقط، بل بقدرة هذه القوانين على إنتاج أثر واضح في الواقع.
فالمغرب راكم، خلال السنوات الأخيرة، منظومة واسعة من النصوص والآليات، تشمل محاربة الفساد، وتمويل الحياة السياسية، والتصريح بالممتلكات، وتدبير تضارب المصالح، وتعزيز أدوار الرقابة والمساءلة.
غير أن قوة الإطار القانوني، مهما بلغت درجة تفصيله، لا تكفي وحدها لبناء الثقة في القرار العمومي.
فالاختبار الحقيقي يبدأ حين تنتقل النصوص من مستوى الإعلان إلى مستوى التطبيق، وحين تصبح النزاهة ممارسة قابلة للقياس، لا مجرد التزام مؤسساتي مكتوب بعناية.
من هذه الزاوية، يكتسب تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول النزاهة ومحاربة الفساد لسنة 2026 أهميته، لأنه لا يكتفي بتسجيل ما يملكه المغرب من أدوات قانونية واستراتيجية، بل يقارن ذلك بما يتحقق فعلاً على أرض الممارسة.
ويعيد التقرير وضع المغرب أمام مفارقة سياسية دقيقة، تتمثل في بلد يملك إطاراً استراتيجياً متقدماً في مجال النزاهة، لكنه ما زال يتعثر في واحدة من أكثر المناطق حساسية، وهي تنظيم جماعات الضغط وأنشطة التأثير على القرار العمومي.
حسب معطيات OECD، يحقق المغرب 73 في المائة من معايير قوة الإطار الاستراتيجي للنزاهة، و53 في المائة على مستوى الممارسة، وهي أرقام تعكس وجود بنية مؤسساتية وسياسات عمومية معلنة في مجال محاربة الفساد.
لكن هذه الصورة تفقد جزءاً كبيراً من توازنها حين ينتقل التقرير إلى ملف جماعات الضغط.
في هذا الباب، يهبط المؤشر إلى 20 في المائة على مستوى التنظيم، و0 في المائة على مستوى الممارسة.
قد يبدو الرقم صغيراً في شكله الإحصائي، لكنه كبير في دلالته السياسية.
فجماعات الضغط، في الأنظمة التي تؤطر هذا المجال بوضوح، ليست بالضرورة مفهوماً مرادفاً للفساد، ولا كلمة ينبغي التعامل معها دائماً بوصفها منطقة محرمة.
إنها، حين تخضع للشفافية والقواعد، شكل من أشكال الترافع المشروع عن مصالح مهنية أو اقتصادية أو اجتماعية، شرط أن يكون هذا الترافع معلناً، ومؤطراً، وخاضعاً للإفصاح والمساءلة.
تبدأ المشكلة حين يتحول التأثير على القرار العمومي إلى مجال بلا تعريف دقيق، وبلا سجل واضح، وبلا تصريح علني، وبلا جهة مركزية تراقب من يلتقي من، ومن يدافع عن ماذا، ولصالح أي جهة، وبأي حدود.
تقرير OECD لا يقول إن كل تأثير غير مشروع، ولا يوجه الاتهام إلى أحد.
لكنه يضع يده على فراغ تنظيمي بالغ الحساسية، حين يسجل أن المغرب لا يتوفر على إطار يعرّف فاعلي جماعات الضغط أو أنشطتهم، ولا على نظام يفرض الكشف عن المعلومات المرتبطة بهذه الأنشطة، ولا على سلطة مركزية مكلفة بمراقبة الامتثال في هذا المجال.
عند هذه النقطة، تصبح السياسة أقل صفاء مما تبدو عليه في البلاغات الرسمية.
فالقرار العمومي لا يتشكل دائماً داخل الجلسات المعلنة وحدها، ولا يولد دائماً في القاعات المضيئة، ولا يمر بالضرورة عبر المساطر التي يراها المواطن.
هناك دائماً هوامش غير مرئية، ولقاءات هادئة، ومصالح متقاطعة، ومذكرات تقنية، واقتراحات قطاعية، وشبكات تأثير، ومرافعات ناعمة، وأحياناً ضغط لا يترك أثراً واضحاً في الوثائق.
في الديمقراطيات الناضجة، لا تتم مواجهة هذا التأثير بالصراخ ضده، بل بإخراجه إلى الضوء.
حينها يصبح من حق المواطن أن يعرف من يؤثر في القرار، ولصالح من يتحرك، وحول أي قانون أو سياسة يدافع، ومع أي مسؤول أو مؤسسة يتواصل، وماذا تغير بعد ذلك في النص أو القرار أو التوجه.
هذه الأسئلة ليست ترفاً أخلاقياً، ولا تمريناً نظرياً في الشفافية.
إنها جزء من جودة القرار العمومي، ومن حق المواطن في أن يعرف كيف تُصنع السياسات التي تمس حياته، وضرائبه، وخدماته، وفرصه، ومستقبله.
فحين لا تكون خريطة التأثير واضحة، يصبح المواطن أمام قوانين وسياسات لا يعرف دائماً من دفع في اتجاهها، ولا أي مصالح كانت حاضرة في خلفية النقاش، ولا أين تنتهي المصلحة العامة وأين تبدأ المصلحة الخاصة.
وتزداد المفارقة وضوحاً حين يظهر المغرب، في التقرير نفسه، قوياً في باب تمويل الحياة السياسية، حيث تمنحه OECD تقييماً كاملاً في التنظيم والممارسة.
هذا المعطى مهم، لأنه يعني أن جزءاً من مسارات الشفافية السياسية أصبح قابلاً للقياس والرصد.
لكن السياسة لا تُموَّل فقط عبر الحسابات الحزبية، ولا يُؤثَّر فيها فقط عبر الحملات الانتخابية.
هناك تأثير آخر، أكثر هدوءاً، وأقل صخباً، يتحرك حول النصوص، والمشاريع، والصفقات، والسياسات القطاعية، بعيداً عن أعين الجمهور أحياناً، وبعيداً عن قواعد الإفصاح في أحيان أخرى.
وهذا هو الباب الذي يحتاج إلى تأطير واضح.
أما في مجال تضارب المصالح، فيسجل التقرير أن المغرب يحقق 78 في المائة على مستوى التنظيم، لكنه لا يتجاوز 33 في المائة على مستوى الممارسة.
هذه الفجوة بين النص والتطبيق ليست تفصيلاً تقنياً عابراً.
إنها تشبه كثيراً تلك المسافة المغربية المألوفة بين ما نكتبه بإتقان، وما نطبقه بحذر وتردد.
القانون حاضر، والمؤسسات حاضرة، والخطاب حاضر.
لكن الامتحان الحقيقي يبدأ حين نبحث عن أثر ذلك كله في الواقع، في العقوبات، وفي التصريحات، وفي معالجة حالات تضارب المصالح، وفي إتاحة المعطيات للعموم، وفي تحويل النزاهة من شعار إداري إلى ممارسة قابلة للمساءلة.
لا يمكن بناء ثقة قوية في السياسات العمومية إذا ظل المواطن يرى أن القرارات تنزل من الأعلى في لباس تقني محايد، بينما تبقى خيوط التأثير في خلفيتها غير مرئية.
ولا يمكن الحديث عن حكامة متقدمة إذا كانت الدولة تعرف كيف تنظم الحزب والانتخابات والتمويل، لكنها لم تضع بعد إطاراً واضحاً لمن يؤثرون في القرار خارج الواجهة الانتخابية والمؤسساتية المباشرة.
جماعات الضغط المنظمة ليست خطراً على الديمقراطية.
الخطر الحقيقي هو التأثير غير المرئي.
الخطر هو النفوذ حين لا يحمل اسمه، وحين لا يعرف المواطن هل يقف أمام سياسة عمومية صافية، أم أمام مصلحة خاصة ارتدت معطف المصلحة العامة.
لذلك، لا ينبغي قراءة تقرير OECD كإدانة للمغرب، بل كتنبيه سياسي بارد في لغته، عميق في دلالته.
لقد راكم المغرب أدوات مهمة في مجال النزاهة، غير أن الجيل المقبل من الإصلاح لا ينبغي أن يكتفي بتحسين النصوص أو تجميل الواجهات القانونية، بل عليه أن يدخل إلى المناطق الرمادية، حيث تتحرك المصالح بهدوء، وحيث تُصنع بعض القرارات قبل أن تصل إلى البرلمان أو الحكومة أو الرأي العام.
تنظيم جماعات الضغط ليس معركة ضد الاستثمار، ولا ضد المقاولة، ولا ضد الترافع المهني، ولا ضد حق الفاعلين في الدفاع عن مصالحهم داخل القانون.
بل هو حماية للجميع.
حماية للمسؤول من الضغط غير المعلن، وحماية للمقاولة النزيهة من المنافسة غير المتكافئة، وحماية للمواطن من قرار عمومي لا يعرف من كتب فقرته الأولى.
في المغرب، تعودنا أن نحتفي بالقوانين لحظة ولادتها.
لكن تقرير OECD يذكرنا بأن القانون لا يكبر بالتصفيق.
يكبر حين يجد من يطبقه، ومن يراقبه، ومن يفتح نوافذه للضوء.
والضوء، في ملف جماعات الضغط، ما زال مطلوباً أكثر من أي وقت مضى.
