بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد النقاش حول المنظومة الصحية في المغرب مقتصراً على الأطر الطبية أو البنيات الاستشفائية، بل امتد ليشمل حلقة حاسمة كثيراً ما تُترك في الظل: النقل الصحي.
فبين لحظة وقوع الحادث أو تدهور الحالة الصحية، ولحظة الوصول إلى المؤسسة العلاجية، تمتد “مسافة قاتلة” قد تحسم مصير الحياة أو الموت، خاصة في المناطق القروية وشبه الحضرية.
في هذا السياق، أعاد سؤال برلماني وجّهه المستشار البرلماني أحمد السطي، عن فريق الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، إلى وزير الداخلية، فتح هذا الملف الحساس، مسلطاً الضوء على واقع مقلق داخل عدد من الجماعات الترابية، حيث يُسجَّل خصاص واضح في تقنيي الإسعاف، رغم توفر سيارات مخصصة لهذا الغرض.
السؤال البرلماني يضع إصبعه على مفارقة لافتة: سيارات إسعاف حاضرة… ومنقذون غائبون.
ففي عدد من الجماعات، تُسند مهام الإسعاف إلى سائقين أو أعوان غير مكوَّنين طبياً، ما يحوّل هذه العربات من وسيلة إنقاذ إلى مجرد وسيلة نقل، في وضع يطرح تساؤلات حقيقية حول جودة التدخلات في الحالات الاستعجالية.
هذا الخلل لا يرتبط فقط بندرة الموارد البشرية، بل أيضاً بغياب إطار تنظيمي واضح يحدد شروط الاشتغال داخل هذا المرفق، من حيث التكوين، والتجهيز، والمراقبة.
وهو ما يؤدي إلى تفاوتات مجالية واضحة، حيث تبقى فعالية خدمات الإسعاف رهينة بإمكانات كل جماعة، بدل أن تكون حقاً مضموناً لكل المواطنين.
كما يبرز إشكال تداخل الاختصاصات بين الجماعات الترابية ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية، دون تنسيق مؤسساتي كافٍ، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة الخدمة.
فالنقل الصحي، في جوهره، ليس مجرد نقل، بل هو مرحلة علاجية أولى تتطلب تدخلاً مهنياً دقيقاً منذ اللحظة الأولى.
وتبرز المفارقة التي يضعها هذا الملف أمام وزير الداخلية، في كون عدداً من الجماعات تتسابق لاقتناء سيارات الإسعاف، في مشهد يعكس حضور الوسيلة أكثر مما يعكس جاهزية الخدمة.
فبين عربات حديثة وتجهيزات ظاهرة، يظل العنصر البشري المؤهل الحلقة الأضعف، حيث تُسند مهام ذات طبيعة طبية وتمريضية إلى سائقين أو أعوان يفتقرون للتكوين اللازم.
هذا الواقع يطرح تساؤلات حقيقية حول وظيفة هذه العربات، التي يُفترض أن تكون وحدات إنقاذ متنقلة، لكنها في بعض الحالات تشتغل بمنطق النقل أكثر من منطق التكفل الطبي، وهو ما يضع جودة التدخلات الاستعجالية أمام تحديات مقلقة، ويفتح النقاش حول حدود المسؤولية في ضمان الحق في العلاج في لحظاته الأكثر حساسية.
سؤال السطي لا يقف عند حدود التشخيص، بل يفتح باب المساءلة السياسية، واضعاً وزارة الداخلية أمام ضرورة توضيح الإجراءات المتخذة لتأطير هذا القطاع، وضمان احترام المعايير الدنيا للتكفل الطبي خلال النقل.
القضية، في عمقها، تتجاوز البعد التقني لتلامس رهانات “الدولة الاجتماعية”، حيث لا يمكن الحديث عن عدالة صحية دون ضمان سلسلة متكاملة من الرعاية، تبدأ من التدخل الأولي، مروراً بالنقل، وصولاً إلى العلاج.
وبين توفر سيارات الإسعاف وغياب التأطير الطبي، تبقى “المسافة القاتلة” عنواناً لواقع يطرح سؤالاً أكبر: هل آن الأوان لإعادة النظر في تدبير النقل الصحي داخل الجماعات الترابية، أم أن الأرواح ستظل رهينة اختلالات يمكن تجاوزها بإرادة تنظيمية واضحة؟
