لم يكن كلام عبد الإله ابن كيران، اليوم، أمام اللجنة المركزية مجرد دردشة تنظيمية أو جرد حساب روتيني، بل كان “مكاشفة سياسية” بجرعات زائدة، أعادت طرح عدد من القضايا المؤجلة في كواليس “البلوكاج” الشهير.
لقد اختار الرجل أن يتعامل مع ما يُوصف بـ”التحكم” ببراغماتية واضحة، واصفاً إياه بالواقع الذي لا يُنكر، لكنه واقع لا ينبغي أن يبرر “الانسحاب السياسي” أو “جمع الأوراق” والرحيل، إلا إذا استنفد الهامش الإصلاحي آخر إمكانياته.
هذا الاعتراف بوجود “التحكم” لم يكن لجلد الذات، بل كان توضيحاً مباشراً للخلفيات التي أنهت مساره على رأس الحكومة؛ حيث ربط الرجل، وبوضوح لافت، بين رفضه لبعض الترتيبات المرتبطة بتشكيل الأغلبية، وبين “البلوكاج” الذي رافق حكومته الثانية.
رسالة ابن كيران هنا كانت واضحة: الاستقامة السياسية أو “المعقول” لها كلفة، لكنها تظل، في نظره، إحدى الضمانات الأساسية للحفاظ على توازن معين داخل بنية الدولة.
وفي الوقت الذي انتظر فيه البعض خطاباً أكثر حدة، اختار ابن كيران توجيه انتقاداته نحو ما وصفه بـ”الخطاب العدمي” وبعض أشكال الاحتجاج التي تكتفي بالتشخيص دون تقديم بدائل واضحة.
لقد بدا مدافعاً عن حصيلة مرحلة صعبة، مستحضراً ملفات حساسة مثل المقاصة والتقاعد، وكأنه يريد التفريق بين “رجل الدولة” الذي يتحمل كلفة القرارات الصعبة، وبين خطاب يكتفي بمجاراة المزاج العام.
إنها محاولة ذكية لإعادة رسم الحدود بين النضالية الحزبية والمسؤولية المؤسساتية.
ابن كيران لا يَعِد بانتصار انتخابي كاسح في 2026، بل يوسّع أفق النقاش نحو 2030، في رسالة ضمنية للفاعلين السياسيين: “المصباح” ليس مجرد محطة انتخابية عابرة، بل مشروع ممتد يقوم على “نَفَس طويل” ويراهن على “الواقعية الإصلاحية” كخيار في مشهد سياسي يزداد تعقيداً، مع السعي لتجاوز منطق الإقصاء ومخاطبة الانتقادات التي تفتقر أحياناً إلى بدائل عملية واضحة.
