بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد النقاش حول أسعار المحروقات في المغرب مجرد تفاعل تقني مع السوق الدولية، بل تحول إلى اختبار حقيقي لمصداقية نموذج “تحرير الأسعار” نفسه.
فبينما تراجعت أسعار النفط عالمياً عقب هدوء التوترات الجيوسياسية، ظل عداد محطات الوقود في المغرب شبه ثابت عند مستويات تقارب 16 درهماً للتر، في مفارقة تعيد طرح السؤال الذي يتردد بصوت منخفض: من يحدد فعلياً إيقاع السوق؟
كشفت معطيات مهنية أن أحد أبرز أسباب هذا التأخر لا يتعلق بالسوق الدولية، بل بآلية داخلية تعتمد متوسط الأسعار خلال 15 يوماً، ليتم تطبيقها في النصف الموالي من الشهر.
هذه الصيغة، الموروثة من زمن تقنين الأسعار، تجعل من انخفاض النفط رحلة بطيئة نحو المستهلك، في حين يبدو أن الارتفاع لا يحتاج لنفس المسافة الزمنية كي ينعكس على الأسعار، وكأن السوق تشتغل بسرعتين مختلفتين حسب اتجاه المنحى.
في هذا السياق، أوضح الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز، أن السعر الدولي الحالي، الذي يناهز 1300 دولار للطن، يعادل حوالي 10,5 دراهم للتر من الغازوال، قبل احتساب الضرائب وهوامش الربح والتوزيع، ما يفسر استمرار الأسعار في حدود 16 درهماً خلال النصف الثاني من أبريل وفق النظام الجاري به العمل.
غير أن الإشكال، بحسب متتبعين، لم يعد في الأرقام بقدر ما هو في “طريقة اشتغال السوق”.
ففلسفة تحرير الأسعار تقوم على التفاعل الفوري مع العرض والطلب، بينما الواقع يكشف عن آلية انتقائية: تتسارع مع الارتفاع… وتتباطأ مع الانخفاض.
وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول ما إذا كان هذا النموذج يشتغل بمنطق السوق، أم بمنطق يضمن نوعاً من “الاستقرار الربحي” في سوق يتميز أصلاً بتركيز مرتفع للفاعلين.
في خضم هذا الجدل، يستحضر متابعون تصريحاً سابقاً لرئيس مجلس المنافسة، أحمد رحو، خلال حلوله ببرنامج “نبض العمق” على موقع العمق المغربي، حين لم يستبعد بلوغ سعر الغازوال 17 درهماً للتر في سياق الارتفاع.
غير أن المفارقة اليوم لا تكمن فقط في تحقق سيناريو الزيادة، بل في أن سيناريو الانخفاض لا يحظى بنفس السرعة، وكأن السوق تُحسن الإصغاء حين ترتفع الأسعار… وتفقد جزءاً من سمعها حين تنخفض.
وتسلط بنية الأسعار الضوء على تحول لافت في هوامش الربح، التي انتقلت، وفق تقديرات مهنية، من حوالي 600 درهم للطن قبل التحرير، إلى ما بين 2000 و2500 درهم حالياً.
وهو ما يعكس، في نظر متتبعين، أن السوق لم تعد فقط محررة، بل أصبحت أكثر ربحية، في سياق تقل فيه حدة المنافسة المفترضة.
ولا يقف النقاش عند هذا الحد، إذ تشير معطيات متداولة إلى أن الأرباح المتراكمة منذ تحرير الأسعار تجاوزت 90 مليار درهم إلى حدود نهاية 2025، وهو رقم يعيد طرح السؤال بصيغة أكثر وضوحاً: هل نحن أمام تحرير فعلي للأسعار… أم أمام نموذج يضمن استقرار الأرباح أكثر مما يضمن عدالة السوق؟
في المقابل، يربط فاعلون جزءاً من هذا الاختلال بغياب مصفاة “لاسامير” منذ سنة 2015، معتبرين أن فقدان قدرة التكرير الوطنية جعل السوق أكثر ارتهاناً للاستيراد، وأقل قدرة على امتصاص الصدمات الخارجية، في غياب آلية داخلية تضبط الإيقاع.
لم يعد الإشكال في مستوى الأسعار فقط، بل في سرعة انتقالها.
فبين سوق دولية تتقلب بسرعة، وسوق وطنية تتحرك بإيقاع انتقائي، يجد المستهلك نفسه أمام معادلة بسيطة في ظاهرها، معقدة في واقعها: الأسعار ترتفع فوراً… لكنها حين تنخفض، تحتاج إلى وقت أطول كي تصل.
