بقلم: الباز عبدالإله
من يخدم المخطط الفلاحي؟ يفرض هذا السؤال نفسه بإلحاح مع الارتفاع اللافت في أسعار الطماطم، التي تجاوزت 15 درهماً للكيلوغرام في عدد من المدن، في وقت تستمر فيه آليات دعم التصدير عبر إعانات تصل إلى 750 درهماً للطن.
وبين الرقمين، تتشكل مفارقة تُعيد طرح مسألة توزيع الكلفة والمنافع داخل السلسلة الفلاحية: من يستفيد فعلاً، ومن يتحمل العبء؟
فخلال الأسابيع الأخيرة، عرف الإنتاج نوعاً من الارتهان لعوامل مناخية وتقنية، من بينها تقلبات الطقس وانتشار بعض الأمراض النباتية، وهو ما أدى إلى تراجع العرض في السوق الوطنية.
وتُقدَّر هذه الخسائر، حسب مصادر مهنية، بما قد يصل إلى 30 في المائة في بعض المناطق، تزامناً مع نهاية الموسم، الأمر الذي ساهم في دفع الأسعار نحو الارتفاع.
غير أن الإحالة المتكررة على “الظرفية المناخية” تطرح بدورها تساؤلات مشروعة.
فالمناخ في المغرب ليس عنصراً مفاجئاً، بل معطى بنيوي يفترض أخذه بعين الاعتبار ضمن سياسات استباقية قادرة على امتصاص الصدمات.
وعليه، فإن تكرار نفس السيناريو مع كل موسم صعب يفتح النقاش حول حدود الجاهزية، ومدى نجاعة آليات التوقع والتدخل.
في المقابل، تبرز إشكالية توجيه الدعم العمومي.
فالإعانة المخصصة للتصدير 750 درهماً للطن هي في نهاية المطاف موارد عمومية، أي جزء من مساهمة دافعي الضرائب.
هنا تتقاطع مفارقة دقيقة: المواطن الذي يواجه أسعاراً مرتفعة في السوق، يساهم بشكل غير مباشر في تمويل دعم يهدف إلى تعزيز تنافسية الصادرات.
وهو ما يطرح سؤال التوازن بين تشجيع الحضور في الأسواق الخارجية وضمان استقرار السوق الداخلية.
ولا يتوقف النقاش عند حدود الأسعار فقط، بل يمتد إلى البعد المائي.
فزراعة الطماطم، خاصة في ظروف الإجهاد المائي التي تعرفها البلاد، تستهلك موارد مائية مهمة. وعندما يُوجَّه جزء من هذا الإنتاج نحو التصدير، فإن الأمر لا يتعلق فقط بتبادل تجاري، بل كذلك بتحويل غير مباشر لجزء من “الماء الافتراضي” نحو الخارج، في سياق وطني يتسم بندرة متزايدة في الموارد المائية.
من جهة أخرى، يظل دور سلاسل التوزيع عاملاً حاسماً في تحديد الأسعار النهائية.
فالفارق بين ثمن “الضيعة” وثمن “القفة” يطرح تساؤلات حول فعالية آليات المراقبة، وحول دور المؤسسات المعنية، وفي مقدمتها مجلس المنافسة، في تتبع تشكل الأسعار وضمان شفافية أكبر داخل السوق.
فغياب وضوح كافٍ في هذه الحلقة يترك المجال لتأويلات متعددة حول أسباب تضخم الأسعار.
إن ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في ظرفية عابرة، بل يعكس اختلالاً بنيوياً في تدبير التوازنات داخل المنظومة الفلاحية، بين منطق التصدير ومتطلبات الأمن الغذائي.
فالتحدي لم يعد فقط في رفع الإنتاج أو توسيع الأسواق، بل في ضمان توزيع عادل وفعال للمنتوج، يراعي أولاً استقرار السوق الوطنية.
وبين دعم التنافسية الخارجية وحماية القدرة الشرائية، تبرز مسؤولية واضحة في إعادة ترتيب الأولويات، بما يضمن ألا يتحول المواطن إلى الحلقة الأضعف في معادلة يفترض أن تخدمه في المقام الأول.
فهل وُضع المخطط الفلاحي لضمان السيادة الغذائية للمغاربة، أم أن توازناته الحالية تحتاج إلى مراجعة تعيد الاعتبار للسوق الداخلية؟
