بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد النقاش حول لجوء المغرب المتواصل إلى التمويلات الخارجية، وآخرها حزمة الـ500 مليون دولار من البنك الدولي، مجرد تفاعل تقني مع حاجيات الميزانية، بل تحوّل إلى سؤال اقتصادي واجتماعي عميق: لماذا تتزايد الديون بينما يظل الأثر على التشغيل والقدرة الشرائية محدوداً في نظر شريحة واسعة من المواطنين؟ الواقع أننا أمام نموذج اقتصادي يركّز على إصلاحات مهيكلة وتحسين “مناخ الأعمال”، وهي توجهات تكتسي أهمية على المستوى الاستراتيجي، لكنها لا تنعكس دائماً بالسرعة الكافية على الحياة اليومية للمواطن.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال جوهري يتعلق بطبيعة الاستفادة من هذه الإصلاحات: من المستفيد الحقيقي؟ هل تنعكس هذه البرامج على المقاولات الصغرى التي يقودها شباب في بداية المسار، أم أنها تساهم أساساً في تعزيز تموقع فاعلين اقتصاديين كبار يمتلكون أصلاً القدرة على الولوج إلى التمويل والاستثمار؟ كما يطرح ذلك تساؤلاً أوسع حول ما إذا كنا أمام إصلاح بنيوي شامل، أم أمام إعادة إنتاج لنفس البنية الاقتصادية القائمة، ولكن بأدوات تمويل جديدة.
إن الاعتماد على ما يُعرف بـ”الفجوة الزمنية” لتفسير تأخر النتائج قد يظل مفهوماً من زاوية تقنية، غير أنه لم يعد كافياً لإقناع الرأي العام.
فالمغرب أطلق خلال السنوات الماضية برامج متعددة لدعم المقاولات وتحفيز الاستثمار، إلا أن أثرها على التشغيل ظل دون المستوى المأمول، ما يفتح النقاش حول فعالية آليات التنزيل وجودة الاستهداف.
ويُلاحظ في هذا السياق نوع من تراجع الأثر داخل المسارات الإدارية والمؤسساتية، مما يحوّل هذه المليارات إلى “شحوم إدارية” تستهلكها المؤسسات بدل أن يحرقها محرك الاقتصاد الحقيقي.
وهو ما تتقاطع فيه تساؤلات الشارع مع بعض تقارير المؤسسات الرقابية الوطنية، مثل المجلس الأعلى للحسابات أو مجلس المنافسة، التي ما فتئت تنبه إلى ضعف “نجاعة الأداء” رغم ضخامة الأغلفة المالية المرصودة.
وفي موازاة ذلك، يطرح رهان الانتقال الطاقي مفارقة لافتة.
فبينما تتجه الاستثمارات نحو مشاريع كبرى في مجال الطاقات المتجددة، يجد المواطن نفسه أمام ضغط متزايد في فواتير الماء والكهرباء، ما يطرح تساؤلات حول مدى انعكاس هذه التحولات على الكلفة المعيشية.
فالتحدي لا يكمن فقط في تأمين مصادر طاقة مستدامة، بل أيضاً في ضمان استفادة فعلية للمستهلك من هذه التحولات على المدى القريب والمتوسط.
هذا التناقض بين استثمارات “المستقبل الأخضر” وضيق “الحاضر المعيشي” يمتد ليشمل حتى لغة الأرقام التي تروجها الحكومة حول سوق الشغل، حيث يظل حجم النتائج المعلنة محدوداً مقارنة بحجم التحديات.
فإحداث نحو 1200 منصب شغل مباشر، رغم أهميته، يبدو غير كافٍ أمام الأعداد المتزايدة من الباحثين عن العمل سنوياً، ما يطرح الحاجة إلى مقاربات أكثر شمولية وقدرة على خلق فرص واسعة ومستدامة، بدل الاكتفاء بنتائج جزئية.
وفي هذا الإطار، يبرز تناقض آخر يرتبط بسردية “الدولة الاجتماعية” التي تضع المواطن في صلب السياسات العمومية، في مقابل واقع تمويلي يركّز بشكل كبير على توازنات الماكرو-اقتصادية.
فكيف يمكن التوفيق بين طموح دولة اجتماعية شاملة، وبين نموذج تمويلي لا ينعكس دائماً بشكل مباشر على تحسين معيشة الأفراد أو تخفيف ضغط الأسعار؟
ولا يمكن في هذا السياق إغفال طبيعة هذه التمويلات، التي تأتي غالباً في إطار برامج إصلاحية متفق عليها مع المؤسسات المانحة، وهو ما يستدعي نقاشاً هادئاً حول هامش القرار الوطني في تحديد الأولويات التنموية، وكيفية التوفيق بين متطلبات الشركاء الدوليين والخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية المحلية.
إن التحدي اليوم لا يكمن فقط في حجم القروض أو طبيعتها، بل في قدرتها على التحول إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
فبين منطق الإصلاحات الكبرى ومتطلبات الواقع الاجتماعي، تظل الحاجة قائمة إلى ردم فجوة الأثر، بما يضمن توزيعاً أكثر توازناً لثمار النمو.
إننا لا نحتاج لشهادات “حسن سيرة” من البنك الدولي بقدر ما نحتاج لشهادة “رضا” من المواطن الذي يرى ديوناً تتراكم فوق رأسه دون أن يلمس أثرها في حياته اليومية.
فهل نحن بصدد بناء اقتصاد وطني أكثر صلابة وشمولاً، أم أننا أمام نموذج يحقق تقدماً في المؤشرات… دون أن ينعكس بنفس القوة على الواقع؟
