يترقب فلاحو المغرب، بقلق متزايد، تسريع صرف الدعم لمواجهة تداعيات الفيضانات وارتفاع أسعار الأسمدة الذي أثقل كاهلهم.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر إعلامية عن معطيات مرتبطة بصفقة عمومية لوزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، تهم تجهيز مصالحها المركزية بالرباط.
ويتعلق الأمر بتخصيص أكثر من 1.8 مليون درهم (180 مليون سنتيم) لاقتناء “الأحبار وقطع الغيار” والمعدات المعلوماتية، وهو ما يطرح تساؤلات حول ترتيب أولويات الإنفاق العمومي في هذه الظرفية.
وتُظهر وثيقة طلب العروض الدولي رقم 02/2026/DAAJ هذا التزامن اللافت؛ فبينما يواجه عدد من الفلاحين تحديات صعبة مرتبطة بتداعيات الفيضانات وارتفاع تكاليف الإنتاج، تُخصص اعتمادات مالية لتأمين حاجيات إدارية وتقنية للمصالح المركزية.
وتسلط هذه المفارقة الضوء على الفارق بين الإكراهات الميدانية ومتطلبات التدبير الإداري.
في هذا السياق، يبرز بشكل واضح التفاوت بين ما يمكن وصفه بـ”الزمن الإداري” و”الزمن الميداني”.
فبينما تسير المساطر الإدارية وفق إيقاعها الخاص، يواجه الفلاح إكراهات يومية لا تحتمل التأجيل، حيث لا تنتظر المحاصيل آجال المعالجة ولا تعترف الأزمات المناخية بإيقاع الإجراءات.
وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة المنظومة الحالية على تقليص هذه الفجوة الزمنية، خاصة في ما يتعلق بسرعة الاستجابة لملفات المتضررين.
ولا خلاف حول أهمية تحديث الإدارة ورقمنتها، باعتبارها رافعة أساسية لتحسين الحكامة وجودة الخدمات.
غير أن هذا التوجه يطرح نقاشاً مشروعاً حين لا يواكبه أثر ملموس على مستوى تسريع الدعم أو تبسيط مساطر الاستفادة.
فنجاعة الرقمنة لا تقاس فقط بتجهيز المكاتب، بل بمدى قدرتها على إحداث فرق حقيقي في حياة الفاعلين الميدانيين.
وفي ظل الخطاب المتكرر حول “الدولة الاجتماعية”، يزداد هذا النقاش عمقاً؛ إذ يطرح فاعلون تساؤلات حول كيفية ترجمة هذا المفهوم على أرض الواقع، بين متطلبات تحديث الإدارة من جهة، والحاجة الملحة لدعم الفلاحين في المناطق المتضررة من جهة أخرى.
فالتحدي لا يكمن في الاختيار بين المسارين، بل في تحقيق توازن فعلي بينهما.
يتجاوز النقاش هنا مجرد الأرقام أو طبيعة الصفقة، ليصل إلى إشكالية أعمق ترتبط بمدى انسجام السياسات العمومية مع انتظارات الفئات المعنية.
فحين يشعر بعض الفاعلين بوجود فجوة بين المركز والمجال، يتعزز النقاش حول نجاعة توزيع الموارد وتوجيهها.
في ظل هذه المعطيات، يبرز مفهوم “نجاعة الإنفاق العمومي” كعنصر حاسم، ليس فقط من حيث حجم الاعتمادات، بل من حيث توقيتها وأثرها المباشر.
فالتحدي الحقيقي يكمن في ضمان أن تنعكس هذه النفقات على تحسين أوضاع الفلاحين وتعزيز قدرتهم على الصمود، بما ينسجم مع رهانات الأمن الغذائي والسيادة الفلاحية.
