لم يعد التباري على منصب المفتش العام بوزارة التربية الوطنية مجرد تفصيل تقني داخل الهيكلة الإدارية، بل تحوّل إلى اختبار دقيق لمدى صمود روح الدستور أمام ضغط ما يُتداول في الكواليس.
فعندما يُستحضر الفصلان 49 و91، لا يتعلق الأمر بنصوص قانونية صماء، بل بفلسفة حكم تقوم على الاستحقاق، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان تكافؤ الفرص في الولوج إلى المناصب العليا.
وفي خضم هذا الجدل، دخل على الخط أحمد كيكيش، المدير الإقليمي السابق بكل من ميدلت وسلا والقنيطرة، من خلال تدوينة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط التربوية، حيث حذّر من ما وصفه بـ”توجيه مسبق” لمسار التباري نحو اسم بعينه، معتبراً أن الأمر، إن صحّت مؤشراته، قد يمسّ بجوهر الوظيفة الرقابية للمفتشية العامة.
وتكتسي هذه المواقف أهميتها بالنظر إلى الموقع السابق لصاحبها داخل المنظومة، حيث راكم تجربة ميدانية وإدارية في تدبير الشأن التربوي على المستوى الإقليمي، ما يجعل تدخله يُقرأ داخل القطاع كصوت من داخل “البيت الداخلي”، يعكس جزءاً من القلق المتداول بين الأطر.
غير أن ما يُتداول داخل الأوساط المهنية يطرح تساؤلات أوسع حول احتمال انزياح فلسفة التعيين من منطق الاستحقاق إلى اعتبارات غير معلنة، تقترب في رمزيتها مما يُوصف بـ”التوجيه عن بُعد”، بما يحمله ذلك من دلالات حول طبيعة موازين القرار داخل هذا الورش الحساس.
إن خطورة أي “هندسة مسبقة” لنتائج التباري لا تقف عند حدود الإجراء، بل تمتد إلى جوهر وظيفة المفتشية العامة نفسها.
فالمفتش العام ليس مجرد حلقة تنفيذية داخل السلم الإداري، بل هو آلية مؤسساتية لضبط الاختلالات وضمان نزاهة التدبير.
وأي مساس باستقلالية هذا الموقع، حتى على مستوى الانطباع، كفيل بإضعاف الثقة في قدرته على أداء دوره كجهاز وقائي يواكب الإصلاح.
كما أن النقاش الدائر يعيد طرح إشكالية أعمق ترتبط بـ”إرث الأزمات” داخل القطاع.
إذ يصعب تصور إقلاع إصلاحي فعلي في ظل استمرار نفس الأنماط التدبيرية التي كانت موضوع انتقادات سابقة، خاصة حين يتعلق الأمر بمناصب رقابية يُفترض فيها أن تشكل رافعة للتصحيح لا امتداداً لمنطق التوازنات.
في هذا السياق، لا يختزل الرهان في اسم المفتش العام المقبل، بقدر ما يرتبط بصورة المؤسسة في لحظة دقيقة من مسار إصلاح التعليم، وبمدى قدرة المسؤولين على تحصين هذا الاستحقاق من كل ما قد يُثير الشكوك حول شفافيته.
فإما أن تُكرّس هذه المحطة منطق دولة المؤسسات كما يؤطره الدستور، أو تُغذّي الانطباع بوجود مسافة بين النص والتطبيق، وهي مسافة لطالما شكلت أحد أبرز تحديات الإصلاح.
