في لحظة مكاشفة سياسية وأخلاقية حادة، يضع الكاتب والمحلل إدريس الكنبوري تدبير الشأن العام في المغرب تحت مجهر النقد، مقدماً قراءة قاسية لما يعتبره اختلالات عميقة في بنية تدبير المال العام وتوزيع الثروة.
نص التدوينة كما وردت:
لا يعلم أحد متى يتوقف نزيف المال العام بالمغرب، ومتى يمن الله سبحانه على هذا الشعب المسكين بمسؤولين شرفاء يرون كل لقمة من حرام يدخلونها في بطون أولادهم لقمة مغموسة في نهر من اللعنات التي تخرج من صدور المحرومين.
لقد حول بعض المسؤولين المغرب إلى ضيعة على المتوسط تسقى من ماء البحر، يزرعون للتصدير ويحرثون للتبذير ويبيعون للغريب.
منذ 1963 والانتخابات تجرى ولا تغيير، ومنذ الاستقلال عرف المغرب ستة دساتير آخرها عام 2011، ولا شيء تغير، مجرد تعديلات في العبارات.
ومنذ الاستقلال مرت حكومات عدة وتعاقب مئات الوزراء على المغرب كلهم دخلوا ليخرجوا أكثر ثراء، اليميني واليساري والإسلامي والعلماني، ولا شيء تغير.
تحولت مؤسسات الدولة إلى ملكيات خاصة للأفراد، ضيعات يقطف المدراء والرؤساء ثمورها. مؤسسات على هامش الدستور والدولة لا يعرف باطنها إلا الذي فيها، وخارج تلك المؤسسات شعارات براقة حول محاربة الفساد والمحاسبة مقابل المسؤولية والدولة الاجتماعية.
آلاف الأشخاص لدى الواحد منهم أكثر من وظيفة وأكثر من أجرة وأكثر من كيس يحفن منه، بينما البطالة تنخر شبابا يانعا شاخ من الانتظار.
منظومات غير مرئية تصنع النخب الفاسدة وتلمع الوسخين وتدر عليهم من مال الشعب مقابل خدمات لا يريدها الشعب، كلهم يتحدثون باسم وطن يطعنونه من الخلف ووطنية تمطر عليهم ذهبا وفضة وعقارات، لا يقدمون تقاريرهم إلا إلى من يرشهم من الصناديق السوداء التي تدخلها الدراهم البيضاء فتغير لونها، ولاؤهم لمن يدفع لا للوطن.
حتى سؤال الملك عن الثروة عام 2014 لم يجد جوابا.
مرت 12 سنة على السؤال وكبر الذين ولدوا ذلك العام وأصبحوا يرغبون في الهجرة إلى أوروبا لأنها تحتضن القاصرين وتوفر لهم الإيواء، يفضلون ملاجئ القاصرين على بلدهم لأنه لم يجب على سؤال يعرف جوابه تلاميذ الابتدائي.
تلك صورة مغرب لا يريدها أحد، لكنها مفروضة على كل أحد، وتبقى عبارة بلال رضي الله عنه عزاء الشرفاء: أحد أحد.
كلما وضعوا على صدره صخرة صرخ: أحد أحد.
تعكس هذه التدوينة خطاباً نقدياً حاداً يمزج بين البعد الأخلاقي والسياسي، حيث يركز الكنبوري على إشكالية تدبير المال العام، ويربطها بما يعتبره غياباً للعدالة في توزيع الثروة، في مقابل استمرار نفس الأنماط التدبيرية رغم تعاقب الدساتير والحكومات.
كما يبرز النص حضور مفارقة واضحة بين الشعارات الرسمية المرتبطة بمحاربة الفساد والدولة الاجتماعية، وبين واقع يصفه الكاتب بتكريس الامتيازات وتعدد مصادر الدخل داخل دوائر محدودة، مقابل هشاشة اجتماعية متنامية، خاصة في صفوف الشباب.
ويكتسي استحضار “سؤال الثروة” بعداً رمزياً في هذا السياق، باعتباره يعكس، وفق هذا الطرح، فجوة بين الانتظارات المجتمعية والأجوبة المؤسساتية، وهو ما يفسر جزئياً تنامي نزعات الهجرة لدى فئات من الجيل الجديد.
ورغم حدة هذا الطرح، يظل النقاش حول هذه القضايا مفتوحاً على قراءات متعددة، بين من يرى مساراً إصلاحياً تدريجياً، ومن يعتبر أن الاختلالات البنيوية ما تزال قائمة وتحتاج إلى معالجات أعمق.
