لم يعد ملف “الفراقشية” مجرد نقاش ظرفي حول دعم عمومي أو عمليات استيراد أثارت جدلاً واسعاً في السوق، بل أصبح مدخلاً لطرح سؤال أعمق يتعلق بحدود المساءلة داخل المؤسسة التمثيلية، وبمدى استعداد الفاعل البرلماني للذهاب بعيداً في توضيح الملفات التي تلامس المال العام والقدرة الشرائية وثقة المواطنين في القرار العمومي۔
فحين يتعلق الأمر بملف ارتبط بالدعم، وبالأسعار، وبالسياسات الموجهة لضبط السوق، يصبح اللجوء إلى آليات الرقابة الدستورية أمراً طبيعياً في الحياة البرلمانية، لا باعتبارها أدوات للإدانة المسبقة أو لتصفية الحسابات السياسية، بل بوصفها مسالك مؤسساتية لإنتاج الوضوح، وترتيب المعطيات، وإخراج النقاش من دائرة الانطباع إلى دائرة التحقق۔
المعطى الدستوري واضح في هذا الباب، فتشكيل لجنة لتقصي الحقائق داخل مجلس المستشارين يستوجب الحصول على توقيع ثلث الأعضاء، أي أربعين توقيعاً من أصل مائة وعشرين عضواً، وهو نصاب لا يبدو، من حيث المبدأ، تعجيزياً إذا توفرت الإرادة السياسية لتحويل النقاش العمومي إلى مسار رقابي منظم۔
غير أن المسار تعثر قبل أن يبلغ عتبة التفعيل، فلم تظهر لائحة رسمية تحدد من وقّع ومن امتنع، ولم يصدر محضر تصويت يسمح بترتيب المواقف بشكل دقيق، ولذلك فإن الدقة المهنية تفرض القول إن لجنة تقصي الحقائق لم تبلغ النصاب المطلوب من التوقيعات، لا إن ثلاثة وثمانين مستشاراً صوّتوا ضدها، غير أن هذه الدقة لا تلغي السؤال السياسي المركزي: لماذا لم يستطع ملف بهذا الحجم أن يحشد أربعين توقيعاً فقط؟
هذا السؤال لا يستمد أهميته من البعد العددي وحده، بل من دلالته السياسية، فتعثر آلية تقصي الحقائق في ملف ذي حساسية اجتماعية واقتصادية لا يمكن قراءته كواقعة إجرائية معزولة، بل كعلامة على توتر أوسع بين مطلب الشفافية ومنطق الحسابات داخل المؤسسات المنتخبة۔
لقد كان ممكناً أن تشكل لجنة تقصي الحقائق مناسبة لإعادة ترتيب النقاش على قاعدة المعطيات، من حجم الدعم، وطبيعة المسارات التي اتخذها، والجهات التي استفادت منه، وأثره الفعلي على السوق، وحدود القرار العمومي، واحتمالات الخلل في التنفيذ أو التقدير أو المراقبة۔
هذه أسئلة مشروعة في أي نظام رقابي جاد، ولا تفترض مسبقاً وجود خطأ أو مسؤولية، فهي قبل كل شيء جزء من حق الرأي العام في الفهم، ومن واجب المؤسسة التشريعية في تحويل الملفات المثيرة للجدل إلى موضوع للفحص، لا للاكتفاء بالتراشق السياسي أو التبرير الإداري۔
غير أن لهذا الحق وجهاً آخر لا يقل أهمية، هو حق المواطن في المحاسبة السياسية، فالمواطن الذي عايش ارتفاع أسعار اللحوم والأغنام، وسمع عن الدعم والاستيراد والتدابير الاستثنائية، من حقه أن يسأل عن المسؤولية السياسية للنتيجة التي وصلت إلى جيبه، ومن حقه، حين يتحول إلى ناخب، أن يعيد تقييم من يعتبر أنهم لم يحموا قدرته الشرائية، أو لم يدافعوا بما يكفي عن حقه في معرفة الحقيقة۔
في الديمقراطية، لا تكون الانتخابات مجرد مناسبة لتجديد المقاعد، بل لحظة لتقييم الحصيلة، ومساءلة الاختيارات، ومراجعة الثقة الممنوحة للمنتخبين، وإذا كان المواطن لا يملك دائماً كل الوثائق والمعطيات، فإنه يملك شيئاً آخر لا يقل قوة، هو تجربته اليومية مع الأسعار، وإحساسه بما إذا كانت الوعود العمومية قد انعكست فعلاً على معيشه، أم بقيت معلقة بين البلاغات والانتظارات۔
من هذه الزاوية، لا تكمن أهمية الملف في موضوع الأغنام أو الدعم أو الاستيراد فقط، بل في ما يكشفه من طريقة التعامل مع الأسئلة الصعبة حين تقترب من المال العمومي ومن كلفة السياسات العمومية على حياة المواطنين، فالمؤسسة التي تقبل السؤال تعزز موقعها، أما المؤسسة التي يبدو أنها تتحفظ على توسيع دائرة الفحص، فإنها تترك المجال مفتوحاً أمام التأويل والشك وتراجع الثقة۔
قد ترى الأغلبية أن المهمة الاستطلاعية تكفي لمعالجة الملف، وقد تقدم لذلك مبررات سياسية ومؤسساتية، غير أن الفرق يبقى واضحاً بين آلية تستطلع وتجمع المعطيات ضمن سقف محدد، وآلية لتقصي الحقائق تحمل ثقلاً رقابياً ورمزياً أقوى، وتمنح النقاش العمومي مستوى أعلى من الجدية والشفافية۔
في هذا الفارق تحديداً تتشكل حساسية الملف، فحين ينتظر الرأي العام توضيحاً واسعاً، ثم يجد نفسه أمام مسار رقابي أقل قوة من حيث الأثر السياسي، فإن الانطباع الذي يتولد ليس دائماً في صالح المؤسسة، ذلك أن الثقة لا تبنى فقط بما يقال عن النوايا، بل بما تتيحه المؤسسات من إمكانات للفحص والمراجعة والتدقيق۔
ولا يتعلق الأمر هنا بإصدار حكم على أي طرف، أو تحميل مسؤولية قبل اكتمال المعطيات، فالتحليل الرصين يقتضي التمييز بين السؤال المشروع والاتهام الجاهز، لكن هذا التمييز نفسه يجعل من تعثر مسار التقصي واقعة تستحق النقاش، لأنها تمس جوهر العلاقة بين الناخب ومن يمثله داخل البرلمان۔
من حق الفرق البرلمانية أن تختلف في تقدير الوسيلة الرقابية الأنسب، ومن حق الأغلبية أن تدافع عن اختيارها، غير أن من حق المواطن أيضاً أن يتساءل عن حدود هذا الاختيار، وعن سبب عدم الذهاب إلى الآلية الأقوى حين يكون الملف مرتبطاً بالدعم العمومي، وبسوق حساس، وبأسئلة اجتماعية لم تجد بعد جواباً مقنعاً۔
فالواقعة قد تكون مرّت سياسياً، كما تمر كثير من الملفات داخل الزمن البرلماني السريع، لكنها لم تُغلق من حيث المعنى، فما دام مسار تقصي الحقائق لم يكتمل، وما دامت المعطيات التفصيلية حول الدعم والاستفادة والأثر الفعلي على السوق لم تُعرض في صيغة رقابية قوية وواضحة، فإن السؤال سيظل معلقاً: ماذا حصل بالضبط؟
وهنا تتسع المسافة بين مرور الواقعة وكشف الحقيقة، فالمرور السياسي شيء، والحسم الرقابي شيء آخر، يمكن للملف أن يغادر واجهة النقاش، ويمكن للجدل أن يهدأ، ويمكن للمؤسسات أن تنتقل إلى ملفات جديدة، لكن ذلك لا يعني أن الحقيقة ظهرت، ولا أن الثقة استعادت توازنها۔
فالملفات التي تمر دون كشف كامل للحقيقة لا تنتهي بمجرد انطفاء النقاش حولها، بل تنتقل إلى ذاكرة الشك، وقد يكون هذا أخطر ما في ملف “الفراقشية”، ليس فقط أنه أثار أسئلة حول الدعم والاستيراد والأسعار، بل أنه ترك تلك الأسئلة معلقة دون جواب مؤسساتي حاسم۔
هنا يظهر البعد الانتخابي للقضية بوضوح، فالناخب لا يحاسب فقط على الوعود والبرامج، بل يحاسب أيضاً على المواقف التي تتخذها النخب المنتخبة حين توضع أمام ملفات اختبارية، وقد لا يحتفظ المواطن بكل تفاصيل المسطرة، لكنه يحتفظ بالانطباع العام حول من دافع عن توسيع دائرة الوضوح، ومن فضّل مساراً أقل حدة وأضيق أثراً۔
ومن حق الناخب، حين تحين لحظة الاختيار، أن يجعل من ملف الغلاء معياراً للمحاسبة، من حقه أن يسأل: من كان في موقع القرار حين ارتفعت الأسعار؟ من دافع عن الشفافية حين طُرحت الأسئلة؟ من اكتفى بتبرير محدود؟ ومن لم يذهب بعيداً في كشف المعطيات؟
هذه ليست دعوة إلى العقاب الانفعالي، بل إلى محاسبة سياسية ناضجة، فالانتخابات لا تكتمل قيمتها إذا تحولت إلى مناسبة للصور والشعارات فقط، قيمتها الحقيقية تظهر حين يستعملها المواطن لمراجعة الأداء، ومساءلة السياسات، ومحاسبة من يعتبر أنهم لم يحموا قدرته الشرائية أو لم يدافعوا بما يكفي عن حقه في معرفة الحقيقة۔
السياسة، في نهاية المطاف، لا تقاس فقط بقدرة الفاعلين على تدبير الأغلبيات، بل بقدرتهم على حماية معنى الثقة، والثقة لا تتقوى بالصمت حين يكون السؤال ضرورياً، ولا بالتقليل من أهمية آليات الرقابة حين يكون الرأي العام في حاجة إلى أجوبة دقيقة۔
ملف “الفراقشية” وضع المؤسسة التمثيلية أمام اختبار هادئ لكنه عميق، كان يكفي بلوغ أربعين توقيعاً لفتح مسار تقصي الحقائق، لا لإدانة أحد، بل لتقديم خدمة مؤسساتية للوضوح، وحين تعثر هذا المسار، أصبح السؤال أكبر من الملف نفسه: هل ما زالت آليات الرقابة تُستحضر بالجرأة نفسها حين تقترب من الملفات الأكثر حساسية؟
قد تمر الواقعة سياسياً كما تمر وقائع كثيرة، غير أن أثرها الرمزي سيظل قائماً في ذاكرة النقاش العمومي، فكل ملف كبير لا يجد طريقه الكامل إلى الفحص يترك وراءه مساحة من الغموض، وكل غموض يتراكم يتحول، مع الوقت، إلى كلفة سياسية على الثقة والتمثيلية والمصداقية۔
لهذا، فإن السؤال ليس فقط هل ستتشكل لجنة لتقصي الحقائق أم لا، السؤال الأعمق هو هل يدرك من ساهموا في تعثر هذا المسار أن الامتناع عن توسيع دائرة المساءلة قد تكون له كلفة سياسية مؤجلة؟
ففي الديمقراطيات، لا تنتهي المحاسبة عند حدود النصوص والمساطر، هناك محاسبة أخرى تتشكل ببطء داخل الوعي العام، في تقييم المواطن لمن يمثله، وفي نظرته إلى صدقية الخطاب الرقابي، وفي اختياره حين تحين لحظة الاختبار الانتخابي۔
ومن هذه الزاوية، قد يصبح ملف “الفراقشية” أكثر من واقعة عابرة، قد يتحول إلى عنوان دال على مفارقة أوسع، حين يكون الوصول إلى الحقيقة ممكناً من حيث النص، لكنه يتعثر من حيث الإرادة۔
فالملف، وإن مرّ في الزمن السياسي، لم يعبر بعد في الذاكرة العامة، وما لم تُكشف الحقيقة كاملة، أو على الأقل تُعرض المعطيات في صيغة رقابية مقنعة، سيظل السؤال قائماً في الخلفية: ماذا حصل؟ ولماذا لم يُفتح الباب كاملاً لمعرفة ما حصل؟
تلك هي الكلفة الهادئة للغموض، لا تظهر دائماً في لحظتها، ولا تُقاس فوراً في التصريحات والمواقف، لكنها تتراكم في عمق العلاقة بين المواطن والمؤسسة، وحين تتراكم الأسئلة بلا أجوبة، يصبح الصمت نفسه جزءاً من الذاكرة السياسية۔
وفي لحظة الانتخابات، قد يتحول هذا الصمت إلى موقف، فالمواطن الذي تحمل كلفة الغلاء، ولم يجد جواباً كاملاً حول مسارات الدعم وأثره، يملك الحق الكامل، بصفته ناخباً، في أن يعيد ترتيب ثقته، وأن يسائل بالتصويت من يحمّلهم مسؤولية سياسية عن غلاء اللحوم والأغنام، أو عن تعطيل الطريق المؤدي إلى كشف الحقيقة۔
في النهاية، لا يتعلق الأمر بملف واحد فقط، بل بصورة الرقابة حين تُختبر أمام الملفات الثقيلة، وحين تمر الواقعة دون أن تظهر الحقيقة، لا يُغلق الملف فعلاً، بل ينتقل من رفوف السياسة اليومية إلى سجل الثقة، حيث لا تسقط الأسئلة بالتقادم بسهولة۔
والذين يعتقدون أن الملفات تنتهي بمجرد خفوت النقاش، قد يكتشفون أن الناخب لا ينسى دائماً، قد يصمت، قد يبتعد، قد لا يعلّق، لكنه يحتفظ في ذاكرته بما مسّ معيشه اليومي، وحين يجد نفسه أمام صندوق الاقتراع، قد تتحول تلك الذاكرة إلى حكم سياسي هادئ، لكنه بالغ الدلالة۔
