بين لغة الأرقام الصارمة ونبرة “التحدي” السياسي، فجّرت فاطمة الزهراء المنصوري اليوم، داخل مجلس النواب، قنبلة سياسية جديدة؛ فمشروع قانون التعمير لم يعد مجرد نص تقني يُناقش في اللجان، بل تحوّل إلى ما يشبه “مانيفستو” سياسي تُصفّي فيه الوزيرة حسابات الماضي، وتُعلن من خلاله عن ملامح مرحلة جديدة.
غير أن السؤال الجوهري يظل قائماً: هل نحن فعلاً أمام “قانون التوازنات الكبرى”، أم أمام محاولة لإعادة ترتيب نفس الأعطاب بلغة أكثر جرأة؟
إن استخدام الوزيرة لعبارة “كلام فارغ” في توصيف انتقادات المعارضة يكشف عن تحول واضح في أسلوب التدبير، من الحذر التقني إلى المواجهة السياسية المباشرة.
هذا الخطاب قد يُقرأ من طرف أنصارها كشكل من أشكال الحسم مع إرث دام لأكثر من ثلاثة عقود من الجمود، لكنه في المقابل يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول حدود تقبّل الرأي المخالف داخل نقاش يفترض فيه أن يكون مؤسساتياً.
فالتاريخ التشريعي لقطاع التعمير في المغرب يؤكد أن النصوص لم تكن دائماً المشكلة، بل طريقة تأويلها وتنزيلها على أرض الواقع.
وفي قلب هذا النقاش، تبرز فلسفة “المرونة” التي تدافع عنها الوزارة، باعتبارها مدخلاً لتجاوز تعقيد المساطر وتسريع وتيرة الاستثمار.
غير أن هذه المرونة نفسها قد تتحول، في غياب ضوابط دقيقة، إلى منطقة رمادية تسمح بتأويلات متعددة، قد تُستغل لخلق استثناءات غير معلنة.
فبين “تبسيط المساطر” و”تفريغها من الصرامة”، خيط رفيع قد يحدد مستقبل المجال الحضري لعقود قادمة، في قطاع لطالما كان مجالاً لتقاطع النفوذ بالقرار.
وفي سياق دفاعها عن استقلاليتها، شددت فاطمة الزهراء المنصوري على أن أخلاقها وتكوينها السياسي لا يسمحان لها بالخضوع للوبيات العقار، مؤكدة ابتعادها عن الاجتماعات المغلقة مع المنعشين. غير أن تدبير قطاع بحجم التعمير لا يُقاس بالنوايا، بل بمدى صرامة القواعد المؤطرة له.
فالتجارب السابقة أظهرت أن الصراع بين “زحف الإسمنت” و”جودة الحياة” لا يُحسم بالتصريحات، بل بنصوص قانونية واضحة غير قابلة للالتفاف، تحمي التوازن بين الربح الاقتصادي والحق في المدينة.
أما بخصوص النقطة الأكثر إثارة، والمتعلقة بـ”حماية رئيس الجماعة”، فإنها تفتح نقاشاً أعمق مما يبدو على السطح.
ففي بلد تتحول فيه المسؤولية أحياناً إلى عبء قضائي يثقل كاهل المنتخبين، قد يبدو توفير الحماية مطلباً مشروعاً لتشجيع المبادرة المحلية.
لكن الإشكال يبدأ حين تتحول هذه الحماية إلى منطقة رمادية بين القرار والمساءلة، حيث يصعب التمييز بين الخطأ الإداري والتساهل المقصود.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي: كيف يمكن تمكين المنتخب دون إضعاف آليات الرقابة أو خلق مناطق نفوذ خارج منطق المحاسبة؟
اقتصادياً، استندت الوزيرة إلى معطى قوي، معتبرة أن قطاع البناء والتعمير يساهم بـ46% من مناصب الشغل المحدثة خلال الولاية الحكومية الحالية. غير أن هذا الرقم، رغم أهميته، يطرح تساؤلات حول طبيعة هذا التشغيل؛ هل يتعلق بمناصب قارة ومستدامة، أم بدينامية ظرفية مرتبطة بأوراش مؤقتة؟ ثم هل يمكن بناء نموذج تنموي متوازن على قطاع يرتبط أساساً بدورات السوق العقارية وتقلباتها، دون تعميق الفوارق المجالية؟
كما أن الحديث عن إنهاء أزمة المدن التي تفتقر إلى تصاميم تهيئة، يضع المشروع أمام اختبار زمني حقيقي، خاصة وأن عدداً من الحواضر ظل لسنوات يشتغل في “منطقة انتظار” عمرانية، حيث تتراكم طلبات الرخص وتتضخم تكلفة السكن.
وهو ما يجعل من هذا القانون، إن تم تنزيله بفعالية، فرصة حقيقية لتقليص هذا الاختناق الإداري، وإعادة قدر من التوازن إلى علاقة المواطن بالإدارة.
خلاصة القول، إن فاطمة الزهراء المنصوري لا تفتقد الجرأة السياسية، بل تبدو أكثر ميلاً إلى كسر لغة التحفظ التي طبعت هذا القطاع لسنوات.
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في كسب معركة الخطاب داخل البرلمان، بل في ترجمة هذا النص إلى نتائج ملموسة خارج أسواره.
فالتاريخ لا يتذكر من رفع صوته تحت القبة، بل من نجح في تخفيف عبء المساطر عن المواطن، وكبح جموح الأسعار، وإعادة التوازن بين الإسمنت والحياة… لا بين الشعارات والواقع.
