بقلم: الباز عبدالإله
ما كشف عنه المحامي والفاعل الحقوقي رشيد أيت بلعربي لا يُختزل في كونه “واقعة إدارية” عابرة، بل يطرح، وفق متابعين، مؤشرات مقلقة حول طبيعة الممارسة داخل مؤسسة يُفترض أنها حامية للحقوق والحريات.
فبين الخطاب “الأنيق” الذي يُقدَّم في التقارير الرسمية، وما يُتداول بشأن ممارسات داخلية، يبرز نقاش متصاعد حول مدى انسجام القول مع الفعل داخل المجلس الوطني لحقوق الإنسان.
في هذا السياق، أثار استفسار وُجّه إلى إحدى الموظفات بخصوص لباسها نقاشاً واسعاً، باعتباره يمسّ، في نظر حقوقيين، مجال الحريات الفردية المرتبطة بالاختيارات الشخصية.
ويرى متابعون أن مثل هذه الخطوات، إذا ثبتت دقتها وسياقها، قد تطرح تساؤلات حول حدود تدخل الإدارة في الحياة الخاصة، خاصة داخل مؤسسة تستند في مرجعيتها إلى القيم الكونية لحقوق الإنسان.
كما أن قرار تنقيل المعنية بالأمر من الرباط إلى مراكش، والذي جاء، بحسب المعطيات المتداولة، في سياق تمسكها بموقفها، يُقرأ من طرف بعض المتابعين كإجراء قد يحمل طابعاً تأديبياً غير مباشر، وهو ما يفتح باب النقاش حول كيفية تدبير الخلافات داخل المؤسسات العمومية، ومدى احترامها للتوازن بين السلطة الإدارية والحقوق الفردية.
ولم تقف الانتقادات عند هذا الحد، إذ أعادت تدوينة رشيد أيت بلعربي إلى الواجهة تساؤلات أوسع تتعلق بمواقف المجلس من قضايا حقوقية أثارت جدلاً في الرأي العام، خاصة تلك المرتبطة بالحق في الحياة والسلامة الجسدية.
نص التدوينة كما ورد:
“المجلس الوطني لحقوق الإنسان كمؤسسة دستورية تعنى بحماية حقوق و حريات المواطنين و النهوض بها و ضمان ممارستها الكاملة ، يغض البصر عن انتهاكات متكررة لحقوق الإنسان وصلت حد الاعتداء على الحق في الحياة و السلامة الجسدية ( قضية ياسين الشبلي، قضية عمر حلفي، ضحايا الرصاص الحي بالقليعة، ضحايا التدخل الأمني المريع في وجدة…).
و الأفظع هو أنه هاته المؤسسة لم تكتف بالمشاهدة و الصمت تجاه الخروقات التي تطال حقوق الإنسان من طرف جهات في الدولة ، بل إن العدوى انتقلت إلى هاته المؤسسة لتتذوق بنفسها خرق حقوق الإنسان في حق العاملين بها حيث قامت بتوجيه استفسار لإحدى الموظفات لديها بسبب لباسها علما أن اللباس يدخل في إطار خصوصية الشخص و حريته في التعبير عن ذاته و هويته.
و هي حقوق يضمنها الدستور المغربي و الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و كذا العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية ، و لا يمكن تقييدها بقيود إلا لحماية النظام العام أو الآداب العامة.
لكن أن تلجأ مؤسسة أحدثت من أجل حماية حقوق الإنسان إلى التضييق على موظفة لديها و توجيه استفسار لها حول لباس عصري عادي غير فاضح أو مخل بالآداب ، يعج به الشارع المغربي و الإدارات و المؤسسات العمومية و شركات القطاع الخاص ، و بعد ذلك بأيام إصدار قرار بتنقيلها من مقر عملها بالرباط إلى مراكش بعد تمسكها بحقها و دفاعها عنه انطلاقا من المرجعية الكونية لحقوق الإنسان و من مذكرة سابقة للمجلس نفسه حول الحريات الفردية ، فهذا أمر يطرح أكثر من علامة استفهام حول هذا القرار التعسفي.
لكنه و بالنظر للحصيلة المحتشمة لعمل هاته المؤسسة منذ إحداثها و خاصة غياب موقفها من أقوى الانتهاكات لحقوق الإنسان سواء تلك التي أشرنا إليها أو تلك التي لا يتسع المقام لذكرها ، فإن التساؤل الأكبر يبقى حول الجدوى من استمرار هاته المؤسسة في حد ذاتها.”
إن الرهان الحقيقي اليوم لم يعد في تدبير هذه الواقعة أو احتوائها، بل في قدرة المجلس الوطني لحقوق الإنسان على استعادة منسوب الثقة عبر ممارسات تعكس انسجامه الفعلي مع المرجعية الحقوقية التي يعلنها، حتى لا تتحول الشعارات إلى عبء على صورته بدل أن تكون سنداً لمصداقيته.
