بقلم: الباز عبدالإله
في وقت تتجه فيه الأنظار إلى صناديق الاقتراع، اختارت الحكومة المغربية الرهان على مقاربة مالية موسعة لتدبير جولة أبريل 2026 من الحوار الاجتماعي.
فبين لغة الأرقام التي قاربت 50 مليار درهم، وبين الالتزامات الاجتماعية الممتدة، يبرز تساؤل جوهري حول ما إذا كانت هذه المخرجات تمثل إصلاحاً هيكلياً فعلياً أم مجرد تدبير مرحلي لضبط الإيقاع الاجتماعي في سياق سياسي حساس.
لقد جاء الإعلان عن زيادة عامة في أجور القطاع العام بقيمة 1000 درهم صافية، ورفع الحد الأدنى للأجر في القطاع الخاص (SMIG) بنسبة 20% و(SMAG) بنسبة 25%، كأحد أكبر العروض المالية في تاريخ الحوار الاجتماعي بالمغرب.
ومع وصول متوسط الأجر الصافي في الوظيفة العمومية إلى 10600 درهم، تبدو الحكومة وقد نجحت في تحقيق انفراج نسبي مع المركزيات النقابية.
غير أن هذا التحسن الرقمي يظل رهيناً بمدى انعكاسه الفعلي على القدرة الشرائية، في ظل ضغوط تضخمية قد تحد من أثر هذه الزيادات، وتجعلها أقرب إلى إعادة توازن جزئي بدل تحسين ملموس في مستوى العيش.
أما الملف الأكثر حساسية، فيظل ملف التقاعد، الذي يفرض نفسه كأحد أبرز التحديات البنيوية.
وفي هذا السياق، اختارت الحكومة مقاربة تقنية تقوم على توسيع قاعدة المستفيدين، من خلال خفض عتبة الاستفادة من معاش الشيخوخة إلى 1320 يوماً، مع اعتماد أثر رجعي يشمل المحالين على التقاعد منذ سنة 2023.
ورغم ما يحمله هذا الإجراء من بعد اجتماعي لفائدة فئات ظلت خارج التغطية، فإنه يعكس في المقابل توجهاً نحو تأجيل الحسم في الإصلاح الهيكلي الشامل المرتبط بديمومة الصناديق وتوازناتها المالية على المدى البعيد.
وفي سياق متصل، يبرز ملف أعوان الحراسة والنظافة كأحد الأمثلة على حدود هذا التوازن، حيث تم الاتفاق على تقليص ساعات العمل إلى 8 ساعات، غير أن دخول هذا الإجراء حيز التنفيذ تم تأجيله إلى سنة 2027.
هذا الأفق الزمني يطرح تساؤلات حول وتيرة تنزيل الإصلاحات الاجتماعية، خاصة في ظل توازنات مرتبطة بقدرة المقاولات المعنية، لا سيما في قطاع المناولة، على تحمل الكلفة الإضافية لهذه الإجراءات.
وعلى مستوى السياسة الجبائية، شملت الإجراءات مراجعة الضريبة على الدخل لفائدة الأجراء، بكلفة مالية تناهز 7.6 مليار درهم، في خطوة تهدف إلى تحسين الدخل الصافي وتعزيز القدرة الشرائية، وتندرج ضمن حزمة تدابير أوسع تعكس توجهاً نحو توسيع الحماية الاجتماعية.
إن الكلفة الإجمالية لهذه الإجراءات مرشحة لبلوغ حوالي 49.7 مليار درهم في أفق سنة 2027، وهو ما يعكس حجم الرهان الذي تضعه الدولة على هذا الورش الاجتماعي.
غير أن هذا “السخاء” المالي يطرح في المقابل تحدياً مركزياً يتعلق بالاستدامة، ومدى قدرة الاقتصاد الوطني على إنتاج الثروة الكافية لتمويل هذه الالتزامات دون إحداث اختلالات في التوازنات المالية الكبرى.
وتضع مخرجات جولة أبريل 2026 الحكومة المغربية أمام اختبار يتجاوز مجرد التوقيع على محاضر الاتفاق؛ فالسخاء المالي المرصود يظل سلاحاً ذا حدين.
فبينما يمثل مكسباً مرحلياً لترميم السلم الاجتماعي وتحسين الدخل الصافي لفئات واسعة، فإنه يفتح في المقابل نقاشاً مشروعاً حول استدامة التوازنات الماكرو-اقتصادية.
ذلك أن الرهان لم يعد يقتصر على ضخ السيولة في الجيوب المتأثرة بتقلبات الأسعار، بل يرتبط بمدى قدرة السياسات العمومية على الانتقال من منطق تدبير الظرفية إلى منطق الإصلاح الهيكلي، خاصة في ما يتعلق بملف التقاعد وتحديث قانون الشغل.
وفي غياب وتيرة نمو اقتصادي قادرة على مواكبة هذه الكلفة المرتفعة، تظل الخيارات المستقبلية مفتوحة على سيناريوهات دقيقة، ما يجعل من هذه الجولة إما محطة تأسيسية لتعاقد اجتماعي أكثر استدامة، أو مرحلة انتقالية قد تعود بعدها الأسئلة البنيوية إلى الواجهة بقوة أكبر.
