بقلم: الباز عبدالإله
لا يمكن قراءة واقعة “الاعتصام الفردي” أمام مكتب موثق بالرباط، والتي انتهت باقتياد المعتقل السابق جمال قاسم إلى مخفر الشرطة، كحدث عابر أو مجرد إخلال عادي بالنظام العام؛ بل هي، في عمقها، واقعة تطرح أسئلة دقيقة حول التوازن بين هيبة المؤسسات وضمانات الإنصاف للمواطن.
فالقضية المرتبطة بتفويت عقار يُعرف بـ“فيلا لوسيين” لا تقف عند حدود نزاع فردي، بل تمتد لتلامس جوهر الثقة في المساطر التوثيقية، ومدى قدرتها على حماية حقوق ذوي المصلحة.
رواية المعني بالأمر، الذي يؤكد وجود حق شراكة لوالده في العقار موضوع النزاع، تركز بالأساس على الكيفية التي تم بها توثيق عملية البيع، والوثائق التي اعتمدت لإتمامها.
وهي تساؤلات مشروعة في إطار القانون، باعتبار أن مهنة التوثيق تقوم على التحقق من هوية الأطراف، وصحة المستندات، وخلو الملك من النزاعات التي قد تؤثر على سلامة التفويت. ومن هذا المنطلق، فإن النقاش لا يتجه نحو الأشخاص بقدر ما يسلط الضوء على “المسطرة” نفسها، ومدى احترامها لكافة الضوابط القانونية المؤطرة.
في المقابل، يبرز بُعد آخر في هذه الواقعة يتعلق بطبيعة التدخل الأمني.
فبينما تم التعامل مع الاعتصام من زاوية الحفاظ على النظام العام، يطرح تساؤل موازٍ حول كيفية تدبير أصل النزاع، ومدى تفعيل مساطر الاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية.
إذ إن الاقتصار على الاستماع إلى الطرف المحتج، في غياب معطيات حول استدعاء باقي الأطراف، قد يخلق لدى الرأي العام انطباعاً بوجود تفاوت في إيقاع المعالجة، حتى وإن كانت لكل مسطرة خصوصيتها القانونية.
هذا التداخل بين المسار الاحتجاجي والمسار القانوني يعكس إشكالية أعمق، تتعلق بمدى نجاعة قنوات الإنصاف المتاحة للمواطنين في نزاعات من هذا النوع.
فعندما يلجأ شخص إلى الاحتجاج الفردي لطلب توضيحات، فإن ذلك يُفهم، في كثير من الأحيان، كمؤشر على وجود صعوبات في الوصول إلى أجوبة داخل المساطر العادية، سواء القضائية أو المهنية.
إن ما تطرحه قضية “فيلا لوسيين” يتجاوز حدود الوثائق والعقود، ليعيد إلى الواجهة نقاشاً حساساً حول التوازن بين قوة الأداة التوثيقية وضمانات المساءلة.
فالتخوف لا يتعلق بالمهنة في حد ذاتها، بل بإمكانية أن تتحول بعض الممارسات، إن ثبتت، إلى مصدر لبروز اختلالات تمس مبدأ تكافؤ الفرص بين الأطراف.
كما أن مقاربة حفظ النظام العام، رغم مشروعيتها، تظل مطالبة بأن تسير جنباً إلى جنب مع الحرص على معالجة أصل النزاع بنفس القدر من الجدية والسرعة، بما يضمن الإحساس العام بالعدالة.
إن الرهان اليوم لا يكمن فقط في تطبيق النصوص، بل في تفعيل روحها، عبر تكريس الشفافية وتعزيز آليات المساءلة، بما يضمن أن تظل مهنة التوثيق أداة لحماية الحقوق لا موضوعاً للتشكيك فيها.
كما أن بناء الثقة في المؤسسات يمر، بالدرجة الأولى، عبر وضوح الإجراءات وتكافؤ الفرص في عرض الدفوعات، بعيداً عن أي انطباع بوجود تفاوت في المعالجة.
فالمساطر، مهما بلغت دقتها، تظل ناقصة إذا لم تُترجم إلى شعور فعلي بالإنصاف لدى المواطن ومن هنا، فإن تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات يظل رهيناً بمدى القدرة على تحقيق توازن حقيقي بين هيبة المهن القانونية، وحق الأفراد في الوصول إلى عدالة شفافة ومنصفة.
