بقلم: الباز عبدالإله
أكد أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، اليوم الاثنين، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، أن المساجد في العالم القروي تحظى بنفس مستوى العناية التي توليه الوزارة لنظيراتها في الوسط الحضري، في إطار ما وصفه بسياسة عمومية لا تميز بين المجالات، وتسعى إلى تحقيق العدالة المجالية في الخدمات الدينية.
غير أن لغة الأرقام، كما قدمها الوزير، تصطدم بواقع مقلق في “المغرب العميق”؛ فخلف غلاف مالي يناهز 296 مليون درهم مخصص سنوياً للاستثمار في مساجد القرى، تبرز معطيات رسمية تفيد بوجود 1083 مسجداً مغلقاً في وجه المصلين، في مفارقة تطرح تساؤلات حقيقية حول جدوى وفعالية التدبير الحالي لهذا القطاع الحيوي.
هذا المعطى، مقروناً بالإقرار بأن معالجة وضعية المساجد المغلقة تتطلب اعتمادات إضافية تناهز مليار درهم، يفتح الباب أمام تساؤل جوهري: إلى أي حد تعكس هذه الأرقام توازناً فعلياً في توزيع الموارد؟ وهل تمثل نسبة 12.1% من ميزانية الاستثمار استجابة كافية لمعالجة الخصاص المتراكم في مساجد العالم القروي، أم أنها تظل دون مستوى التحديات المطروحة؟
وفي سياق تفسير تأخر إنجاز بعض المشاريع، تربط الوزارة ذلك بإكراهات موضوعية، من قبيل تعثر المقاولات أو النزاعات القانونية.
غير أن هذا التفسير، في منطق التتبع والتقييم، يطرح بدوره إشكال النجاعة في تدبير الأوراش، ومدى فعالية آليات المراقبة والتتبع، خاصة بالنسبة لساكنة تنتظر لسنوات فتح مساجدها، بعيداً عن تعقيدات المساطر القضائية والإدارية.
وفي مقابل ذلك، يظل المحسن المغربي فاعلاً أساسياً في دعم بناء المساجد، خصوصاً في القرى، وهو ما يعكس دينامية مجتمعية متجذرة.
غير أن هذه المبادرات قد تواجه، في بعض الحالات، تحديات مرتبطة بالمساطر التنظيمية، مما يطرح سؤال التوازن بين ضمان احترام المعايير التقنية، وتيسير مساهمة الفاعلين المحليين في دعم البنية الدينية.
إن التحدي المطروح اليوم لا يرتبط فقط بالبناء أو التأهيل، بل يمتد إلى ما يمكن تسميته بـ”الأمن الروحي” في الفضاءات القروية.
فإغلاق هذا العدد من المساجد لا ينعكس فقط على أداء الشعائر، بل يطرح أيضاً إشكال التأطير الديني، ودور هذه الفضاءات في تعزيز قيم الاعتدال والاستقرار داخل المجتمع.
وفي هذا الإطار، يبدو أن الانتقال من “مسجد الوظيفة” إلى “مسجد الكرامة” يقتضي مقاربة تتجاوز منطق الأرقام، نحو تسريع وتيرة التأهيل، وإعادة فتح المساجد المغلقة، وتعزيز آليات الحكامة في تدبير المشاريع.
فالمعادلة لم تعد تقنية فقط، بل أصبحت اختباراً لمدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق عدالة مجالية فعلية، تُقاس ليس بحجم الاعتمادات، بل بعدد الأبواب المفتوحة في وجه المصلين.
إن استمرار إغلاق بيوت الله في القرى تحت ذريعة “عجز المليار” أو “تعثر المقاولات”، لم يعد مجرد إشكال تقني يمكن القفز عليه بلغة الأرقام؛ بل يطرح سؤالاً أعمق حول مكانة العالم القروي في أولويات التدبير العمومي.
فحين يضطر القروي لقطع كيلومترات لأداء صلاة الجمعة، بينما مسجد قريته مغلق لسنوات، تتآكل الثقة في الخطاب الرسمي المرتبط بالعدالة المجالية.
كما أن الرهان الحقيقي اليوم لم يعد مرتبطاً فقط بتشييد مساجد جديدة بمواصفات تقنية، بقدر ما يرتبط بإعادة الاعتبار لوظيفة المسجد كمركز للاستقرار والتأطير داخل الدوار، وهو ما يستدعي مقاربة أقرب إلى الواقع الميداني، وأكثر قدرة على تسريع الحلول وتجاوز الإكراهات التي تطيل أمد الانتظار.
