بقلم: الباز عبدالإله
تترقب ملايين الأسر المغربية أسعار الأضاحي بكثير من التوجس، بينما يختار رئيس الحكومة عزيز أخنوش مخاطبة الرأي العام بلغة واثقة، مراهناً على معادلة العرض والطلب لضبط السوق، وموجهاً رسائل طمأنة تستند إلى “وفرة القطيع”. هذا الخطاب، في عمقه، يطرح تساؤلات حول حدود تدخل الدولة في ضبط الأسعار، ويعيد إلى الواجهة نقاشاً متجدداً: هل يكفي منطق السوق وحده لحماية القدرة الشرائية للمواطن؟
وأوضح رئيس الحكومة، خلال مناقشة حصيلة الحكومة بمجلس النواب، أمس الثلاثاء، أن “التدابير الاستباقية والدعم المباشر للكسابة أفضيا إلى وفرة في العرض لم يشهدها المغرب من قبل”، داعياً مربي الماشية إلى تزويد الأسواق للمساهمة في خفض الأسعار.
كما شدد على أن الدولة عبّأت غلافاً مالياً يناهز 13 مليار درهم، معتبراً أن هذه الموارد “صُرفت بالفعل ووصلت إلى مستحقيها”، ومشيراً إلى أنه “لم تعد هناك مساعدات أخرى قادمة”، في إشارة واضحة إلى الانتقال نحو رهان السوق لضبط التوازن.
وتتحدث الحكومة أيضاً عن مستويات مرتفعة للقطيع الوطني، حيث تتراوح التقديرات بين 33 و40 مليون رأس من الأغنام والماعز، وهو ما يُقدَّم كمؤشر على تحسن العرض.
غير أن النقاش العمومي يتجه نحو تقييم الأثر الفعلي لهذه الإجراءات على الأسعار، خاصة في ظل استمرار شكاوى مرتبطة بارتفاعها في عدد من الأسواق.
لكن، وأمام لغة الأرقام، يبرز سؤال جوهري في النقاش العمومي: أين انعكس أثر الـ13 مليار درهم على الأسعار في الأسواق؟ فإذا كانت الحكومة قد عبّأت هذه الموارد المهمة لدعم الأعلاف وسلاسل الإنتاج، فإن المنطق الاقتصادي يقتضي أن يلمس المواطن أثراً مباشراً على كلفة الأضاحي.
غير أن المعطيات المتداولة توحي بوجود اختلالات على مستوى سلاسل التوزيع، حيث تتسع الفوارق بين سعر البيع عند المنتج وسعر العرض للمستهلك، بفعل تعدد الوسطاء وغياب الشفافية الكافية في بعض مراحل التسويق.
في المقابل، يشير عدد من الفاعلين إلى أن بنية السوق لا تتحدد فقط بحجم العرض، بل تتأثر أيضاً بعوامل أخرى، من بينها كلفة الأعلاف والنقل، إضافة إلى دور الوسطاء في تحديد الأسعار النهائية.
وتبقى هذه الحلقات الوسيطة موضوع نقاش متكرر، خصوصاً في ما يتعلق بهوامش الربح ومستوى الشفافية داخل أسواق الجملة والتقسيط.
في هذا الإطار، يبرز دور مجلس المنافسة ولجان المراقبة الترابية في تتبع اختلالات السوق وضمان احترام قواعد المنافسة.
غير أن بعض التقديرات ترى أن تأثير هذه الآليات يظل محدوداً في فترات الذروة، ما يعزز الدعوات إلى تعزيز المراقبة الميدانية وتحسين آليات ضبط الأسعار.
أما خيار تأجيل الذبح، الذي يُقدم كإجراء ساهم في الحفاظ على القطيع، فيُنظر إليه كجزء من مقاربة تقنية لتدبير العرض، لكنه لا يلغي الإشكالات المرتبطة بكلفة الإنتاج وبنية السوق.
فالتوازن بين وفرة القطيع ومستوى الأسعار يظل رهيناً بعوامل متعددة، تتجاوز منطق العرض وحده.
وفي هذا السياق، يرى متتبعون أن الاقتصار على دعوة الكسابة لضخّ العرض، دون مواكبة ذلك بإجراءات أكثر صرامة لضبط هوامش الربح وتعزيز المراقبة، قد يحدّ من الأثر المنتظر للدعم العمومي، ويطرح تحدياً حقيقياً أمام فعالية السياسات المتبعة، بين دعم سلاسل الإنتاج من جهة، وضمان انعكاس ذلك على القدرة الشرائية للمواطن من جهة أخرى.
في المحصلة، يظل الرهان على وفرة العرض خطوة مهمة، لكنها تطرح في الآن ذاته سؤال فعالية السياسات المواكبة لضبط السوق.
وبين منطق السوق ومتطلبات الحماية الاجتماعية، يبقى التحدي قائماً في تحقيق توازن يضمن استقرار الأسعار ويحافظ في الوقت نفسه على استدامة سلاسل الإنتاج، في أفق تحقيق أثر ملموس في حياة المواطنين.
